فهرس الكتاب

الصفحة 3141 من 4314

و هذا النوع من الاحتجاج والبيان لا يستوفي حقه إلا بالتنزيل التدريجي على حسب ما كان يبدو من شبههم ويرد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسائلهم تدريجا ، ويورد على المؤمنين أو على قومهم من تسويلاتهم شيئا بعد شيء وحينا بعد حين.

وإلى هذا يشير قوله تعالى:"و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا"- والمثل الوصف - أي لا يأتونك بوصف فيك أو في غيرك حادوا به عن الحق أو أساءوا تفسيره إلا جئناك بما هو الحق فيه أو ما هو أحسن الوجوه في تفسيره فإن ما أتوا به إما باطل محض فالحق يدفعه أو حق محرف عن موضعه فالتفسير الأحسن يرده إلى مستواه ويقومه.

فتبين بما تقدم أن قوله:"كذلك لنثبت به فؤادك"- إلى قوله - وأحسن تفسيرا"جواب عن قولهم:"لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة"بوجهين: أحدهما: بيان السبب الراجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو تثبيت فؤاده بالتنزيل التدريجي."

وثانيهما: بيان السبب الراجع إلى الناس وهو بيان الحق فيما يوردون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المثل والوصف الباطل ، والتفسير بأحسن الوجوه فيما يوردون عليه من الحق المغير عن وجهه المحرف عن موضعه.

ويلحق بهذا الجواب قوله تلوا:"الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا"فهو كالمتمم للجواب على ما سيجيء بيانه.

وتبين أيضا أن الآيات الثلاث مسوقة جميعا لغرض واحد وهو الجواب عما أوردوه من القدح في القرآن هذا ، والمفسرون فرقوا بين مضامين الآيات الثلاث فجعلوا قوله:"كذلك لنثبت به فؤادك"جوابا عن قولهم:"لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة"، وقوله:"و رتلناه ترتيلا"خبرا عن ترسيله في النزول أو في القراءة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير ارتباط بما تقدمه.

وجعلوا قوله:"و لا يأتونك بمثل"إلخ ، كالبيان لقوله:"كذلك لنثبت به فؤادك"وإيضاحا لكيفية تثبيت فؤاده (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعله بعضهم ناظرا إلى خصوص المثل الذي ضربوه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأن الله بين الحق فيه وجاء بأحسن التفسير وقيل غير ذلك ، وجعلوا قوله:"الذين يحشرون"الآية أجنبيا عن غرض الآيتين السابقتين بالكلية.

والتأمل فيما قدمناه في توجيه مضمون الآيتين الأوليين وما سيأتي من معنى الآية الثالثة يوضح فساد جميع ذلك ، ويظهر أن الآيات الثلاث جميعا ذات غرض واحد وهو الجواب عما أوردوه من الطعن في القرآن من جهة نزوله التدريجي.

وذكروا أيضا أن الجواب عن قدحهم واقتراحهم بقوله:"كذلك لنثبت به فؤادك"جواب بذكر بعض ما لتفريق النزول من الفوائد وأن هناك فوائد أخرى غير ما ذكره الله تعالى ، وقد أوردوا فوائد أخرى أضافوها إلى ما وقع في الآية: منها: أن الكتب السماوية السابقة على القرآن إنما أنزلت جملة واحدة لأنها أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرءون فنزلت عليهم جملة واحدة مكتوبة والقرآن إنما نزل على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ ولذلك نزل متفرقا.

ومنها أن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها ودليل كونها من عند الله تعالى إعجازها ، وأما القرآن فبينة صحته وآية كونه من عند الله تعالى نظمه المعجز الباقي على مر الدهور المتحقق في كل جزء من أجزائه المقدر بمقدار أقصر السور حسبما وقع به التحدي.

ولا ريب أن مدار الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال ، ومن ضرورة تجددها تجدد ما يطابقها.

ومنها: أن في القرآن ناسخا ومنسوخا ولا يتيسر الجمع بينهما لمكان المضادة والمنافاة ، وفيه ما هو جواب لمسائل سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها وفيه ما هو إنكار لبعض ما كان ، وفيه ما هو حكاية لبعض ما جرى ، وفيه ما فيه إخبار عما سيأتي في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالإخبار عن فتح مكة ودخول المسجد الحرام ، والإخبار عن غلبة الروم على الفرس إلى غير ذلك من الفوائد فاقتضت الحكمة تنزيله متفرقا.

وهذه وجوه ضعيفة لا تقتضي امتناع النزول جملة واحدة: أما الوجه الأول فكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أميا لا يقرأ ولا يكتب لا يمنع النزول جملة واحدة ، وقد كان معه من يكتبه ويحفظه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت