على أن الله سبحانه وعده أن يعصمه من النسيان ويحفظ الذكر النازل عليه كما قال:"سنقرئك فلا تنسى": الأعلى: 6 ، وقال:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون": الحجر: 9 ، وقال:"إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه": حم السجدة: 42 ، وقدرته تعالى على حفظ كتابه مع نزوله دفعة أو تدريجا سواء.
وأما الوجه الثاني: فكما أن الكلام المفرق يقارنه أحوال تقتضي في نظمه أمورا إن اشتمل عليها الكلام كان بليغا وإلا فلا ، كذلك الكلام الجملي وإن كان كتابا يقارنه بحسب فصوله وأجزائه أحوال لها اقتضاءات إن طابقها كان بليغا وإلا فلا فالبلاغة غير موقوفة على غير الكتاب النازل دفعة والكلام المجموع جملة واحدة.
وأما الوجه الثالث فالنسخ ليس إبطالا للحكم السابق وإنما هو بيان انتهاء أمده فمن الممكن الجمع بين الحكمين والمنسوخ والناسخ بالإشارة إلى أن الحكم الأول محدود موقت إن اقتضت المصلحة ذلك.
ومن الممكن أيضا أن يقدم بيان المسائل التي سيسألون عنها حتى لا يحتاجوا فيها إلى سؤال ولو سألوا عن شيء منها أرجعوا إلى سابق البيان ، وكذا من الممكن أن يقدم ذكر ما هو إنكار لما كان أو حكاية لما جرى أو إخبار عن بعض المغيبات فشيء من ذلك لا يمتنع تقديمه كما هو ظاهر.
على أن تفريق النزول لبعض هذه الحكم والمصالح من تثبيت الفؤاد فليست هذه الوجوه المذكورة وجوها على حدتها.
فالحق أن البيان الواقع في الآية بيان تام جامع لا حاجة معه إلى شيء من هذه الوجوه البتة.
قوله تعالى:"الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا"اتصال الآية بما قبلها من الآيات على ما لها من السياق يعطي أن هؤلاء القادحين في القرآن استنتجوا من قدحهم ما لا يليق بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكروه واصفين له بسوء المكانة وضلال السبيل فلم يذكره الله تعالى في ضمن ما حكى من قولهم في القرآن صونا لمقام النبوة أن يذكر بسوء ، وإنما أشار إلى ذلك في ما أورد في هذه الآية من الرد عليهم بطريق التكنية.
فقوله:"الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم"كناية عن الذين كفروا القادحين في القرآن الواصفين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما وصفوا ، والكناية أبلغ من التصريح.
فالمراد أن هؤلاء القادحين في القرآن الواصفين لك هم شر مكانا وأضل سبيلا لا أنت فالكلام مبني على قصر القلب ، ولفظتا"شر"و"أضل"منسلختان عن معنى التفضيل أو مفيدتان على التهكم ونحوه.
وقد كنى عنهم بالمحشورين على وجوههم إلى جهنم وهو وصف من أضله الله من المتعنتين المنكرين للمعاد كما قال تعالى:"و من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا"إلخ: إسراء: 98.
ففي هذه التكنية مضافا إلى كونها أبلغ ، تهديد لهم بشر المكان وأليم العذاب وأيضا هي في معنى الاحتجاج على ضلالهم إذ لا ضلال أضل من أن يسير الإنسان على وجهه وهو لا يشعر بما في قدامه ، وهذا الضلال الذي في حشرهم على وجوههم إلى جهنم ممثل للضلال الذي كان لهم في الدنيا فكأنه قيل: إن هؤلاء هم الضالون فإنهم محشورون على وجوههم ، ولا يبتلي بذلك إلا من كان ضالا في الدنيا.
وقد اختلفت كلماتهم في وجه اتصال الآية بما قبلها فسكت عنه بعضهم ، وذكر في مجمع البيان ، أنهم قالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين: إنهم شر خلق الله فقال الله تعالى:"أولئك شر مكانا وأضل سبيلا"وذكر بعضهم أنها متصلة بقوله قبل آيات:"أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا"وقد عرفت ما يلوح من السياق.
وقد اختلفوا أيضا في المراد بحشرهم على وجوههم فقيل: وهو على ظاهره وهو الانتقال مكبوبا ، وقيل: هو السحب.
وقيل: هو الانتقال من مكان إلى مكان منكوسا وهو خلاف المشي على الاستقامة وفيه أن الأولى حينئذ التعبير بالحشر على الرءوس لا على الوجوه ، وقد قال تعالى في موضع آخر وهو كتوصيف ما يجري بعد هذا الحشر:"يوم يسحبون في النار على وجوههم": القمر: 48.
وقيل: المراد به فرط الذلة والهوان والخزي مجازا.
وفيه أن المجاز إنما يصار إليه إذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة.