فهرس الكتاب

الصفحة 3167 من 4314

و منها: أنه إنكار لأصل النعمة عليه لمكان تعبيده بني إسرائيل كأنه يقول: إن تربيتك لي ليست نعمة يمن بها علي لأنك عبدت قومي فأحبطت به عملك فقوله:"أن عبدت"إلخ في مقام التعليل للإنكار هذا ، وهذا الوجه وإن كان أقرب إلى الذهن من سابقه لكن هذا الجواب غير تام معنى فإن تعبيده لبني إسرائيل لا يغير حقيقة ما له من الصنيعة عند موسى في تربيته وليدا.

ومنها: أن المعنى أن هذه النعمة التي تمن بها علي من التربية إنما سببه ظلمك بني إسرائيل بتعبيدهم فاضطرت أمي لذلك أن ألقتني في اليم فأخذتني فربيتني فإذ كانت هذه التربية مسببة عن ظلمك بالتعبيد فليست بنعمة هذا والشأن في استفادة هذا المعنى من لفظ الآية.

ومنها: أن الذي رباني أمي وغيرها من بني إسرائيل حيث استعبدتهم فأمرتهم فربوني فليست هذه التربية نعمة منك تمنها علي لانتهائها إلى التعبيد ظلما هذا ، وهذا الوجه أبعد من سابقه من لفظ الآية.

ومنها: أن ذلك اعتراف منه (عليه السلام) بنعمة فرعون عليه والمعنى وتلك التربية نعمة منك تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركت تعبيدي هذا وأنت خبير بأن لا دليل على ما قدره من قوله: وتركت تعبيدي.

قوله تعالى:"قال فرعون وما رب العالمين"- إلى قوله - من المسجونين"لما كلم فرعون موسى (عليه السلام) في معنى رسالته قادحا فيها فتلقى الجواب بما كان فيه إفحامه أخذ يكلمه في خصوص مرسله وقد أخبره أن الذي أرسله هو رب العالمين فراجعه فيه واستوضحه بقوله:"و ما رب العالمين"؟ إلى تمام سبع آيات."

واتضاح المراد منها يتوقف على تذكر أصول مذاهب الوثنية في أمر الربوبية وقد تقدمت الإشارة إليها في خلال الأبحاث السابقة من هذا الكتاب كرارا.

فهؤلاء يرون أن وجود الأشياء ينتهي إلى موجد واجب الوجود هو واحد لا شريك له في وجوب وجوده هو أجل من أن يحده حد في وجوده وأعظم من أن يحيط به فهم أو يناله إدراك ، ولذلك لا يجوز عبادته لأن العبادة نوع توجه إلى المعبود والتوجه إدراك.

ولذلك بعينه عدلوا عن عبادته والتقرب إليه إلى التقرب إلى أشياء من خلقه ذوي وجودات شريفة نورية أو نارية ، هي مقربة إليه فانية فيه من الملائكة والجن والقديسين من البشر المتخلصين من ألواث المادة الفانين في اللاهوت الباقين بها ومنهم الملوك العظام أو بعضهم عند قدماء الوثنية وكان من جملتهم فرعون وموسى وبالجملة كانوا يعبدونهم بعبادة أصنامهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم بمعنى أن يفيضوا إليهم من الخير الذي يفيض عنهم كما في الملائكة أو لا يصيبوهم بالشر الذي يترشح عنهم كما في الجن فإن كلا من هؤلاء المعبودين يرجع إليه تدبير أمر من أمور العالم الكلية كالحب والبغض والسلم والحرب والرفاهية وغيرها أو صقع من أصقاعه كالسماء والأرض والإنسان ونحوها.

فهناك أرباب وآلهة يتصرف كل منهم في العالم الذي يرجع إليه تدبيره كإله عالم الأرض وإله عالم السماء وهؤلاء هم الملائكة والجن وقديسو البشر ، وإله عالم الآلهة وهو الله سبحانه فهو إله الآلهة ورب الأرباب.

إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أن لا معنى صحيحا لقولنا: رب العالمين عند الوثنيين نظرا إلى أصولهم إذ لو أريد به بعض هذه الموجودات الشريفة الممكنة بأعيانهم فهو رب عالم من عوالم الخلقة وهو العالم الذي يباشر التصرف فيه كعالم السماء وعالم الأرض مثلا ولو أريد به الله سبحانه فهو رب عالم الأرباب وإله عالم الآلهة فقط دون جميع العالمين ولو أريد غير الطائفتين من الرب الواجب الوجود والأرباب الممكنة الوجود فلا مصداق له معقولا.

فقوله:"قال فرعون وما رب العالمين"سؤال منه عن حقيقة رب العالمين بيانه أن فرعون كان وثنيا يعبد الأصنام وهو مع ذلك يدعي الألوهية ، أما عبادته الأصنام فلقوله تعالى:"و يذرك وآلهتك": الأعراف: 127 ، وأما دعواه الألوهية فللآية المذكورة ولقوله تعالى:"فقال أنا ربكم الأعلى": النازعات: 24.

ولا منافاة عند الوثنية بين كون الشيء إلها ربا وبين كونه مربوبا لرب آخر لأن الربوبية هو الاستقلال في تدبير شيء من العالم وهو لا ينافي الإمكان والمربوبية لشيء آخر وكل رب عندهم مربوب لآخر إلا الله سبحانه فهو رب الأرباب لا رب فوقه وإله الآلهة لا إله له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت