فهرس الكتاب

الصفحة 3168 من 4314

و كان الملك عند الوثنية ظهورا من اللاهوت في بعض النفوس البشرية بالسلطة ونفوذ الحكم فكان يعبد الملوك كما يعبد أرباب الأصنام وكذلك رؤساء البيوت في بيوتهم ، وكان فرعون وثنيا يعبد الآلهة وهو ملك القبط يعبده قومه كسائر الآلهة.

فلما سمع من موسى وهارون قولهما:"إنا رسول رب العالمين"تعجب منه إذ لم يعقل له معنى محصلا إذ لو أريد به الواجب وهو الله سبحانه فهو عنده رب عالم الأرباب دون جميع العالمين ولو أريد به بعض الممكنات الشريفة من الآلهة كبعض الملائكة وغيرهم فهو أيضا عنده رب عالم من عوالم الخلقة دون جميع العالمين فما معنى رب العالمين.

ولذلك قال:"و ما رب العالمين"فسأل عن حقيقة الموصوف بهذه الصفة بما هو موصوف بهذه الصفة ولم يسأل عن حقيقة الله سبحانه فإنه لوثنيته كان معتقدا بوجوده مذعنا له وهو يرى كسائر الوثنيين أنه لا سبيل إلى إدراك حقيقته كيف؟ وهو أساس مذهبهم الذي يبنون عليه عبادة سائر الآلهة والأرباب كما سمعت.

وقوله:"قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين"جواب موسى (عليه السلام) عن سؤاله:"و ما رب العالمين"وهو خبر لمبتدإ محذوف ، ومحصل المعنى على ما يعطيه المطابقة بين السؤال والجواب: هو رب السماوات والأرض وما بينهما التي تدل بوجود التدبير فيها وكونه تدبيرا واحدا متصلا مرتبطا على أن لها مدبرا - ربا - واحدا على ما يراه الموقنون السالكون سبيل اليقين من البرهان والوجدان.

وبتعبير آخر مرادي بالعالمين السماوات والأرض وما بينهما التي تدل بالتدبير الواحد الذي فيها على أن لها ربا مدبرا واحدا ، ومرادي برب العالمين ذلك الرب الواحد الذي تدل عليه وهذه دلالة يقينية يجدها أهل اليقين الذين يتعاطون البرهان والوجدان.

فإن قلت: لم يطلب فرعون من موسى (عليه السلام) إلا أن يعرفه ما هذا الذي يسميه رب العالمين؟ وما حقيقته؟ لكونه غير معقول عنده فلم يسأل إلا التصور فما معنى قوله:"إن كنتم موقنين"واليقين علم تصديقي لا توقف للتصور عليه أصلا.

على أنه (عليه السلام) لم يأت في جواب فرعون بشيء غير أنه وضع لفظ السماوات والأرض وما بينهما موضع لفظ العالمين فكان تفسيرا للفظ الجمع بأسماء آحاده كتفسير الرجال بزيد وعمرو وبكر فلم يفد بالأخرة إلا التصور الأول ولا تأثير لليقين في ذلك.

قلت: كون فرعون يسأله أن يصور له"رب العالمين"تصويرا مسلم لا شك فيه لكن موسى بدل القول بوضع"السماوات والأرض وما بينهما"مكان العالمين وهو يدل على ارتباط بعض الأجزاء ببعض والاتصال بينها بحيث يؤدي إلى وحدة التدبير الواقع فيها والنظام الجاري عليها ثم قيده بقوله:"إن كنتم موقنين"ليدل على أن أهل اليقين يصدقون من ذلك بوجود مدبر واحد لجميع العالمين.

فكأنه قيل له: ما تريد برب العالمين؟ فقال: أريد به ما يريده أهل اليقين إذ يستدلون بارتباط التدبير واتصاله في عوالم السماوات والأرض وما بينهما على أن لجميع هذه العوالم مدبرا واحدا وربا لا شريك له في ربوبيته لها وإذ كانوا يصدقون بوجود رب واحد للعالمين فهم يتصورونه بوجه تصورا إذ لا معنى للتصديق بلا تصور.

وبعبارة موجزة: رب العالمين هو الذي يوقن الموقنون بربوبيته لجميع السماوات والأرض وما بينهما إذا نظروا إليها وشاهدوا وحدة التدبير الذي فيها.

والاحتجاج بتحقق التصديق على تحقق التصور قبله أقوى ما يمكن أن يحتج به على أنه تعالى مدرك بوجه ومتصور تصورا صحيحا وإن استحال أن يدرك بكنهه ولا يحيطون به علما.

وقد ظهر بذلك كله أولا: أن الجواب إنما هو بإحالته في مسئوله إلى ما يتصوره منه الموقنون إذ يصدقون بوجوده.

وثانيا: أن الذي أشير إليه من الحجة في الآية هو البرهان على توحيد الربوبية المأخوذ من وحدة التدبير إذ هو الذي يمسه الحاجة قبال الوثنية المدعين للشركاء في الربوبية.

وبذلك يظهر فساد ما ذكروا أن العلم بحقيقة الذات لما كان ممتنعا عدل موسى (عليه السلام) عن تعريف الحقيقة بالحد إلى تعريفه تعالى بصفاته فقال: رب السماوات والأرض وما بينهما وأشار بقوله:"إن كنتم موقنين"إلى دلالتها بحدوثها على أن محدثها ذات واحدة واجبة الوجود لا يشاركها في وجوب وجودها شيء غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت