فهرس الكتاب

الصفحة 3170 من 4314

و قد بدل قوله في الجواب الأول:"إن كنتم موقنين"من قوله هاهنا:"إن كنتم تعقلون"تعريضا له حيث قال لمن حوله:"أ لا تستمعون"استهزاء به وإهانة له ، ثم رماه ثانيا بالجنون واختلال الكلام فأشار (عليه السلام) بقوله:"إن كنتم تعقلون"إلى أنهم هم المحرومون من نعمة التعقل والتفقه ولو كانوا يعقلون لفهموا أن جوابه الأول ليس بتكرار غير مفيد ولكفاهم حجة على توحيد الرب وأن القائم بتدبير جميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما مدبر واحد لا مدبر سواه ولا رب غيره.

وقد تبين بما ذكر أن الآية أعني قوله:"رب المشرق"إلخ ، تقرير آخر لقوله في الجواب الأول:"رب السماوات والأرض وما بينهما"وأنه برهان على وحدة المدبر من طريق وحدة التدبير وفي ذلك تعريف لرب العالمين بأنه المدبر الواحد الذي يدل عليه التدبير الواحد في جميع العالمين ، نعم البيان الذي يشير إليه هذه الآية أوضح لاشتماله على معنى الشروق والغروب وكونهما من التدبير ظاهر.

وقد ذكروا أن الحجج المودعة في الآيات حجج على وحدانية ذات الواجب بالذات ونفي الشريك في وجوب الوجود وقد تقدم عدم استقامته البتة.

وقوله:"قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين"تهديد منه لموسى (عليه السلام) لو دام على ما يقول به من ربوبية رب العالمين مدعيا أنه رسول منه وهذا دأب الجاهل المعاند إذا انقطع عن الحجة أخذ في التهديد وتشبث بالوعيد.

واتخاذ إله غيره كناية عن القول بربوبية رب العالمين الذي يدعو إليه موسى وإنما لم يذكره صونا للسانه عن التفوه باسمه ، ولم يعبأ بسائر الآلهة التي كانوا يعبدونها استكبارا وعلوا ، وكأن السجن كان جزاء المعرضين عنه المنكرين لألوهيته.

والظاهر أن اللام في المسجونين للعهد ، والمعنى: لو دمت على ما تقول لأجعلنك في زمرة الذين في سجني على ما تعلم من سوء حالهم وشدة عذابهم ، ولهذا لم يعدل عن هذا التعبير إلى مثل قولنا: لأسجننك مع اختصاره.

قوله تعالى:"قال أ ولو جئتك بشيء مبين"القائل هو موسى (عليه السلام) والمراد بشيء مبين شيء يبين ويظهر صحة دعواه وهو آية الرسالة التي تدل على صحة دعوى الرسالة من مدعيه فإن الآية المعجزة إنما تدل على صدق الرسول في دعواه الرسالة وأما المعارف الإلهية التي يدعو إليها كالتوحيد والمعاد وما يتعلق بهما فالسبيل إلى إثباته الحجة البرهانية وعلى ذلك كانت تجري سيرة الأنبياء في دعوتهم وقد تقدم كلام فيه في الجزء الأول من الكتاب.

والمعنى: قال موسى: أ تجعلني من المسجونين ولو أتيتك بشيء يوضح صدقي فيما ادعيت من الرسالة.

قوله تعالى:"قال فأت به إن كنت من الصادقين"القائل فرعون وقد فرع أمره بإتيانه على استفهام موسى المشعر بأنه يدعي أن عنده شيئا مبينا ولذا قيد الأمر بالإتيان بقوله:"إن كنت من الصادقين"أي إن كنت صادقا في أن عندك شيئا كذلك.

قوله تعالى:"فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"هاتان الآيتان اللتان أوتيهما موسى ليلة الطور ، والثعبان: الحية العظيمة وكونه مبينا ظهور واقعيته بحيث لا يرتاب فيه ، والمراد بنزع يده نزعه من جيبه بعد وضعها فيه كما في سورتي: النمل الآية 12 والقصص الآية 32.

قوله تعالى:"قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون"القائل فرعون وقد قال لموسى:"فأت به إن كنت من الصادقين"رجاء أن يأتي بأمر فيه موضع معارضة ومناقشة فلما أتى بما لا مغمض فيه لم يجد بدا دون أن يبهته بأنه ساحر عليم.

ولذا أتبع رميه بالسحر بقوله:"يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره"إغراء لهم عليه وحثا لهم على أن يتفقوا معه على دفعه بأي وسيلة ممكنة.

وقوله:"فما ذا تأمرون"لعل المراد بالأمر الإشارة عليه لما أن المشير يشير على من يستشيره بلفظ الأمر فالمعنى إذا كان الشأن هذا فما ذا تشيرون علي أن أعامله به حتى أعمل به وذلك أنه كان يرى نفسه ربهم الأعلى ويراهم عبيده ولا يناسب ذلك حمل الأمر على معناه المتعارف.

ويؤيد هذا المعنى أنه تعالى حكى في موضع آخر هذا الكلام عن الملإ أنفسهم إذ قال قال:"الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون": الأعراف: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت