فهرس الكتاب

الصفحة 3177 من 4314

و قوله:"و الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين"أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة ، ولم يقطع بالمغفرة كما قطع في الأمور المذكورة قبلها لأن المغفرة ليست بالاستحقاق بل هي فضل من الله فليس يستحق أحد على الله سبحانه شيئا لكنه سبحانه قضى على نفسه الهداية والرزق والإماتة والإحياء لكل ذي نفس ولم يقض المغفرة لكل ذي خطيئة فقال:"فورب السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: 23 ، وقال:"كل نفس ذائقة الموت": الأنبياء: 35 ، وقال:"إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا": يونس: 4 ، وقال في المغفرة:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء: النساء: 48."

ونسبة الخطيئة إلى نفسه وهو (عليه السلام) نبي معصوم من المعصية دليل على أن المراد بالخطيئة غير المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي فإن للخطيئة والذنب مراتب تتقدر حسب حال العبد في عبوديته كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين وقد قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"و استغفر لذنبك".

فالخطيئة من مثل إبراهيم (عليه السلام) اشتغاله عن ذكر الله محضا بما تقتضيه ضروريات الحياة كالنوم والأكل والشرب ونحوها وإن كانت بنظر آخر طاعة منه (عليه السلام) كيف؟ وقد نص تعالى على كونه (عليه السلام) مخلصا لله لا يشاركه تعالى فيه شيء إذ قال:"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار": ص: 46 ، وقد قدمنا كلاما له تعلق بهذا المقام في آخر الجزء السادس وفي قصص إبراهيم في الجزء السابع من الكتاب.

قوله تعالى:"رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين"لما ذكر (عليه السلام) نعم ربه المستمرة المتوالية المتراكمة عليه منذ خلق إلى ما لا نهاية له من أمد البقاء وصور بذلك شمول اللطف والحنان الإلهي أخذته جاذبة الرحمة الملتئمة بالفقر العبودي فدعته إلى إظهار الحاجة وبث المسألة فالتفت من الغيبة إلى الخطاب فسأل ما سأل.

فقوله:"رب"أضاف الرب إلى نفسه بعد ما كان يصفه بما أنه رب العالمين إثارة للرحمة الإلهية وتهييجا للعناية الربانية لاستجابة دعائه ومسألته.

وقوله:"هب لي حكما"يريد بالحكم ما تقدم في قول موسى (عليه السلام) :"فوهب لي ربي حكما": الآية 21 من السورة وهو - كما تقدم - إصابة النظر والرأي في المعارف الاعتقادية والعملية الكلية وتطبيق العمل عليها كما يشير إليه قوله تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون": الأنبياء: 25 ، وهو وحي المعارف الاعتقادية والعملية التي يجمعها التوحيد والتقوى ، وقوله تعالى:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين: الأنبياء: 73 ، وهو وحي التسديد والهداية إلى الصلاح في مقام العمل ، وتنكير الحكم لتفخيم أمره."

وقوله:"و ألحقني بالصالحين"الصلاح على ما ذكره الراغب - يقابل الفساد الذي هو تغير الشيء عن مقتضى طبعه الأصلي فصلاحه كونه على مقتضى الطبع الأصلي فيترتب عليه من الخير والنفع ما من شأنه أن يترتب عليه من غير أن يفسد فيحرم من آثاره الحسنة.

وإذ كان"الصالحين"غير مقيد بالعمل ونحوه فالمراد به الصالحون ذاتا لا عملا فحسب وإن كان صلاح الذات لا ينفك عنه صلاح العمل ، قال تعالى:"البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58.

فصلاح الذات كونها تامة الاستعداد لقبول الرحمة الإلهية وإفاضة كل خير وسعادة من شأنها أن تتلبس به من غير أن يقارنها ما يفسدها من اعتقاد باطل أو عمل سيىء وبذلك يتبين أن الصلاح الذاتي من لوازم موهبة الحكم بالمعنى الذي تقدم وإن كان الحكم أخص موردا من الصلاح وهو ظاهر.

فمسألته الإلحاق بالصالحين من لوازم مسألة موهبة الحكم وفروعها المترتبة عليها فيعود معنى قوله:"رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين"إلى مثل قولنا: رب هب لي حكما وتمم أثره في وهو الصلاح الذاتي.

وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"و إنه في الآخرة لمن الصالحين": البقرة: 130 في الجزء الأول من الكتاب كلام له تعلق بهذا المقام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت