قوله تعالى:"و اجعل لي لسان صدق في الآخرين"إضافة اللسان إلى الصدق لامية تفيد اختصاصه بالصدق بحيث لا يتكلم إلا به ، وظاهر جعل هذا اللسان له أن يكون مختصا به كلسانه لا يتكلم إلا بما في ضميره مما يتكلم هو به فيئول المعنى إلى مسألة أن يبعث الله في الآخرين من يقوم بدعوته ويدعو الناس إلى ملته وهي دين التوحيد.
فتكون الآية في معنى قوله في سورة الصافات بعد ذكر إبراهيم (عليه السلام) :"و تركنا عليه في الآخرين": الصافات: 108 ، وقد ذكر هذه الجملة بعد ذكر عدة من الأنبياء غيره كنوح وموسى وهارون وإلياس ، وكذا قال تعالى في سورة مريم بعد ذكر زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وموسى وهارون:"و جعلنا لهم لسان صدق عليا": مريم: 50 فالمراد على أي حال إبقاء دعوتهم بعدهم ببعث رسل أمثالهم.
وقيل: المراد به بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد روي عنه أنه قال: أنا دعوة أبي إبراهيم ، ويؤيده تسمية دينه في مواضع من القرآن ملة إبراهيم ، ويرجع معنى الآية حينئذ إلى معنى قوله حكاية عن إبراهيم وإسماعيل حين بناء الكعبة:"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك إلى أن قال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: البقرة: 129."
وقيل: المراد به أن يجعل الله له ذكرا جميلا وثناء حسنا بعده إلى يوم القيامة وقد استجاب الله دعاءه فأهل الأديان يثنون عليه ويذكرونه بالجميل.
وفي صدق لسان الصدق على الذكر الجميل خفاء ، وكذا كون هذا الدعاء والمحكي في سورة البقرة دعاء واحدا لا يخلو من خفاء.
قوله تعالى:"و اجعلني من ورثة جنة النعيم"تقدم معنى وراثة الجنة في تفسير قوله تعالى:"أولئك هم الوارثون": المؤمنون: 10.
قوله تعالى:"و اغفر لأبي إنه كان من الضالين"استغفار لأبيه حسب ما وعده في قوله:"سلام عليك سأستغفر لك ربي": مريم: 47 ، وليس ببعيد أن يستفاد من قوله تعالى:"و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": التوبة: 114 ، أنه دعا لأبيه بهذا الدعاء وهو حي بعد ، وعلى هذا فمعنى قوله:"إنه كان من الضالين"أنه كان قبل الدعاء بزمان من أهل الضلال.
قوله تعالى:"و لا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"الخزي عدم النصر ممن يؤمل منه النصر ، والضمير في"يبعثون"للناس ولا يضره عدم سبق الذكر لكونه معلوما من خارج.
ويعلم من سؤاله عدم الإخزاء يوم القيامة أن الإنسان في حاجة إلى النصر الإلهي يومئذ فهذه البنية الضعيفة لا تقوم دون الأهوال التي تواجهها يوم القيامة إلا بنصر وتأييد منه تعالى.
وقوله:"يوم لا ينفع مال ولا بنون"الظرف بدل من قوله:"يوم يبعثون"وبه يندفع قول من قال: إن قول إبراهيم قد انقطع في"يبعثون"والآية إلى تمام خمس عشرة آية من كلام الله تعالى.
والآية تنفي نفع المال والبنين يوم القيامة وذلك أن رابطة المال والبنين التي هي المناط في التناصر والتعاضد في الدنيا هي رابطة وهمية اجتماعية لا تؤثر أثرا في الخارج من ظرف الاجتماع المدني ويوم القيامة يوم انكشاف الحقائق وتقطع الأسباب فلا ينفع فيه مال بماليته ولا بنون بنسبة بنوتهم وقرابتهم ، قال تعالى:"و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم": الأنعام: 94 ، وقال:"فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون": المؤمنون: 101.
فالمراد بنفي نفع المال والبنين يوم القيامة نفي سببيتهما الوضعية الاعتبارية في المجتمع الإنساني في الدنيا فإن المال نعم السبب والوسيلة في المجتمع للظفر بالمقاصد الحيوية ، وكذا البنون نعمت الوسيلة للقوة والعزة والغلبة والشوكة ، فالمال والبنون عمدة ما يركن إليهما ويتعلق بهما الإنسان في الحياة الدنيا فنفي نفعهما يوم القيامة كالكناية عن نفي نفع كل سبب وضعي اعتباري في المجتمع الإنساني يتوسل به إلى جلب المنافع المادية كالعلم والصنعة والجمال وغيرها.
وبعبارة أخرى نفي نفعهما في معنى الإخبار عن بطلان الاجتماع المدني بما يعمل فيه من الأسباب الوضعية الاعتبارية كما يشير إليه قوله تعالى:"ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون".