فهرس الكتاب

الصفحة 3179 من 4314

و قوله:"إلا من أتى الله بقلب سليم"قال الراغب: السلم والسلامة التعري من الآفات الظاهرة والباطنة.

انتهى.

والسياق يعطي أنه (عليه السلام) في مقام ذكر معنى جامع يتميز به اليوم من غيره وقد سأل ربه أولا أن ينصره ولا يخزيه يوم لا ينفعه ما كان ينفعه في الدنيا من المال والبنين ، ومقتضى هذه التوطئة أن يكون المطلوب بقوله:"إلا من أتى الله بقلب سليم"بيان ما هو النافع يومئذ وقد ذكر فيه الإتيان بالقلب السليم.

فالاستثناء منقطع ، والمعنى: لكن من أتى الله بقلب سليم فإنه ينتفع به ، والمحصل أن مدار السعادة يومئذ على سلامة القلب سواء كان صاحبه ذا مال وبنين في الدنيا أو لم يكن.

وقيل: الاستثناء متصل والمستثنى منه مفعول ينفع المحذوف والتقدير يوم لا ينفع مال ولا بنون أحدا إلا من أتى الله بقلب سليم.

وقيل: الاستثناء متصل والكلام بتقدير مضاف ، والتقدير لا ينفع مال ولا بنون إلا مال وبنو من أتى"إلخ".

وقيل: المال والبنون في معنى الغنى والاستثناء منه بحذف مضاف من نوعه والتقدير يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم ، وسلامة القلب من الغنى فالاستثناء متصل ادعاء لا حقيقة.

وقيل: الاستثناء منقطع وهناك مضاف محذوف ، والتقدير لا ينفع مال ولا بنون إلا حال من أتى"إلخ".

والأقوال الثلاثة الأول توجب اختصاص تميز اليوم بمن له مال وبنون فقط فإن الكلام عليها في معنى قولنا: يوم لا ينفع المال والبنون أصحابهما إلا ذا القلب السليم منهم وأما من لا مال له ولا ولد فمسكوت عنه والسياق لا يساعده ، وأما القول الرابع فمبني على تقدير لا حاجة إليه.

والآية قريبة المعنى من قوله تعالى:"المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا": الكهف: 46 ، غير أنها تسند النفع إلى القلب السليم وهو النفس السالمة من وصمة الظلم وهو الشرك والمعصية كما قال تعالى في وصف اليوم:"و عنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما": طه: 111.

قال بعضهم: وفي الآيتين تأييد لكون استغفاره (عليه السلام) لأبيه طلبا لهدايته إلى الإيمان لاستحالة طلب مغفرته بعد موته كافرا مع علمه بعدم نفعه لأنه من باب الشفاعة انتهى.

وهذا على تقدير أخذ الاستثناء متصلا كما ذهب إليه هذا القائل مبني على كون إبراهيم (عليه السلام) ابن آزر لصلبه وقد تقدم في قصته (عليه السلام) من سورة الأنعام فساد القول به وأن الآيات ناصة على خلافه.

وأما إذا أخذ الاستثناء منقطعا فقوله:"إلا من أتى الله بقلب سليم"بضميمة قوله تعالى:"و لا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28.

دليل على كون الاستغفار قبل موته كما لا يخفى.

قوله تعالى:"و أزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين"الإزلاف التقريب والتبريز الإظهار ، وفي المقابلة بين المتقين والغاوين واختيار هذين الوصفين لهاتين الطائفتين إشارة إلى ما قضى به الله سبحانه يوم رجم إبليس عند إبائه أن يسجد لآدم كما ذكر في سورة الحجر"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين إلى أن قال إن المتقين في جنات وعيون": الحجر: 45.

قوله تعالى:"و قيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون"أي هل يدفعون الشقاء والعذاب عنكم أو عن أنفسهم ، والمحصل أنه يتبين لهم أنهم ضلوا في عبادتهم غير الله.

قوله تعالى:"فكبكبوا فيها هم والغاون وجنود إبليس أجمعون"يقال: كبه فانكب أي ألقاه على وجهه وكبكبه أي ألقاه على وجهه مرة بعد أخرى فهو يفيد تكرار الكب كدب ودبدب وذب وذبذب وزل وزلزل ودك ودكدك.

وضمير الجمع في قوله:"فكبكبوا فيها هم"للأصنام كما يدل عليه قوله:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم": الأنبياء: 98 ، وهؤلاء إحدى الطوائف الثلاث التي تذكر الآية أنها تكبكب في جهنم يوم القيامة ، والطائفة الثانية الغاوون المقضي عليهم ذلك كما في آية الحجر المنقولة آنفا ، والطائفة الثالثة جنود إبليس وهم قرناء الشياطين الذين يذكر القرآن أنهم لا يفارقون أهل الغواية حتى يدخلوا النار ، قال تعالى:"و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين إلى أن قال ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون": الزخرف: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت