و قد أضيف التنزيل إلى رب العالمين للدلالة على توحيد الرب تعالى لما تكرر مرارا أن المشركين إنما كانوا يعترفون به تعالى بما أنه رب الأرباب ولا يرون أنه رب العالمين.
قوله تعالى:"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين"المراد بالروح الأمين هو جبرئيل ملك الوحي بدليل قوله:"من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله": البقرة: 97 وقد سماه في موضع آخر بروح القدس:"قل نزله روح القدس من ربك بالحق": النحل: 102 ، وقد تقدم في تفسير سورتي النحل والإسراء ما يتعلق بمعنى الروح من الكلام.
وقد وصف الروح بالأمين للدلالة على أنه مأمون في رسالته منه تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يغير شيئا من كلامه تعالى بتبديل أو تحريف بعمد أو سهو أو نسيان كما أن توصيفه في آية أخرى بالقدس يشير إلى ذلك.
وقوله:"نزل به الروح"الباء للتعدية أي نزله الروح الأمين وأما قول من قال: إن الباء للمصاحبة والمعنى نزل معه الروح فلا يلتفت إليه لأن العناية في المقام بنزول القرآن لا بنزول الروح مع القرآن.
والضمير في"نزل به"للقرآن بما أنه كلام مؤلف من ألفاظ لها معانيها الحقة فإن ألفاظ القرآن نازلة من عنده تعالى كما أن معانيها نازلة من عنده على ما هو ظاهر قوله:"فإذا قرأناه فاتبع قرآنه": القيامة: 18 ، وقوله:"تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق": آل عمران: 108 ، الجاثية: 6 ، إلى غير ذلك.
فلا يعبأ بقول من قال: إن الذي نزل به الروح الأمين إنما هو معاني القرآن الكريم ثم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعبر عنها بما يطابقها ويحكيها من الألفاظ بلسان عربي.
وأسخف منه قول من قال: إن القرآن بلفظه ومعناه من منشئات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ألقته مرتبة من نفسه الشريفة تسمى الروح الأمين إلى مرتبة منها تسمى القلب.
والمراد بالقلب المنسوب إليه الإدراك والشعور في كلامه تعالى هو النفس الإنسانية التي لها الإدراك وإليها تنتهي أنواع الشعور والإرادة دون اللحم الصنوبري المعلق عن يسار الصدر الذي هو أحد الأعضاء الرئيسة كما يستفاد من مواضع في كلامه تعالى ، كقوله:"و بلغت القلوب الحناجر": الأحزاب: 10 ، أي الأرواح ، وقوله:"فإنه آثم قلبه": البقرة: 283 ، أي نفسه إذ لا معنى لنسبة الإثم إلى العضو الخاص.
ولعل الوجه في قوله:"نزل به الروح الأمين على قلبك"دون أن يقول: عليك هو الإشارة إلى كيفية تلقيه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن النازل عليه ، وأن الذي كان يتلقاه من الروح هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية.
فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى ويسمع حينما كان يوحى إليه من غير أن يستعمل حاستي البصر والسمع كما روي أنه كان يأخذه شبه إغماء يسمى برجاء الوحي.
فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى الشخص ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين في ذلك كما نستخدمهما.
ولو كان رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه وبين غيره فكان سائر الناس يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه والنقل القطعي يكذب ذلك فكثيرا ما كان يأخذه برجاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ومن حوله لا يشعرون بشيء ولا يشاهدون شخصا يكلمه ولا كلاما يلقى إليه.
والقول بأن من الجائز أن يصرف الله تعالى حواس غيره (صلى الله عليه وآله وسلم) من الناس عن بعض ما كانت تناله حواسه وهي الأمور الغيبية المستورة عنا.
هدم لبنيان التصديق العلمي إذ لو جاز مثل هذا الخطإ العظيم على الحواس وهي مفتاح العلوم الضرورية والتصديقات البديهية وغيرها لم يبق وثوق على شيء من العلوم والتصديقات.
على أن هذا الكلام مبني على أصالة الحس وأن لا وجود إلا لمحسوس وهو من أفحش الخطإ وقد تقدم في تفسير سورة مريم كلام في معنى تمثل الملك نافع في المقام.
وربما قيل في وجه تخصيص القلب بالإنزال إنه لكونه هو المدرك المكلف دون الجسد وإن كان يتلقى الوحي بتوسيط الأدوات البدنية من السمع والبصر ، وقد عرفت ما فيه.