و ربما قيل: لما كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جهتان: جهة ملكية يستفيض بها ، وجهة بشرية يفيض بها ، جعل الإنزال على روحه لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يستفيض بها من الروح الأمين ، وللإشارة إلى ذلك قيل.
"على قلبك"ولم يقل: عليك مع كونه أخصر.
انتهى.
وهذا أيضا مبني على مشاركة الحواس والقوى البدنية في تلقي الوحي فيرد عليه ما قدمناه.
وذكر جمع من المفسرين أن المراد بالقلب هو العضو الخاص البدني وأن الإدراك كيفما كان من خواصه.
فمنهم من قال: إن جعل القلب متعلق الإنزال مبني على التوسع لأن الله تعالى يسمع القرآن جبرئيل بخلق الصوت فيحفظه وينزل به على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقرؤه عليه فيعيه ويحفظه بقلبه فكأنه نزل به على قلبه.
ومنهم من قال: إن تخصيص القلب بالإنزال لأن المعاني الروحانية تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منها إلى القلب لما بينهما من التعلق ثم تنتقل منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة.
ومنهم من قال: إن تخصيصه به للإشارة إلى كمال تعقله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث لم يعتبر الوسائط من سمع وبصر وغيرهما.
ومنهم من قال: إن ذلك للإشارة إلى صلاح قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقدسه حيث كان منزلا لكلامه تعالى ليعلم به صلاح سائر أجزائه وأعضائه فإن القلب رئيس سائر الأعضاء وملكها وإذا صلح الملك صلحت رعيته.
ومنهم من قال: إن ذلك لأن الله تعالى جعل لقلب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) سمعا وبصرا مخصوصين يسمع ويبصر بهما تمييزا لشأنه من غيره كما يشعر به قوله تعالى:"ما كذب الفؤاد ما رأى": النجم: 11.
وهذه الوجوه مضافا على اشتمال أكثرها على المجازفة مبنية على قياس هذه الأمور الغيبية على ما عندنا من الحوادث المادية وإجراء حكمها فيها وقد بلغ من تعسف بعضهم أن قال: إن معنى إنزال الملك القرآن أن الله ألهمه كلامه وهو في السماء وعلمه قراءته ثم الملك أداه في الأرض وهو يهبط في المكان وفي ذلك طريقتان: إحداهما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية فأخذه من الملك ، وثانيتهما أن الملك انخلع إلى صورة البشرية حتى يأخذه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولى أصعب الحالين.
انتهى.
وليت شعري ما الذي تصوره من انخلاع الإنسان من صورته إلى صورة الملكية وصيرورته ملكا ثم عوده إنسانا ومن انخلاع الملك إلى صورة الإنسانية وقد فرض لكل منهما هوية مغايرة للآخر لا رابطة بين أحدهما والآخر ذاتا وأثرا وفي كلامه مواضع أخرى للنظر غير خفية على من تأمل فيه.
وللبحث تتمة لعل الله سبحانه يوفقنا لاستيفائها بإيراد كلام جامع في الملك وآخر في الوحي.
وقوله:"لتكون من المنذرين"أي من الداعين إلى الله سبحانه بالتخويف من عذابه وهو المراد بالإنذار في عرف القرآن دون النبي أو الرسول بالخصوص ، قال تعالى في مؤمني الجن:"و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين": الأحقاف: 29 ، وقال في المتفقهين من المؤمنين:"ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم": براءة: 122.
وإنما ذكر إنذاره (صلى الله عليه وآله وسلم) غاية لإنزال القرآن دون نبوته أو رسالته لأن سياق آيات السورة سياق التخويف والتهديد.
وقوله"بلسان عربي مبين"أي ظاهر في عربيته أو مبين للمقاصد تمام البيان والجار والمجرور متعلق بنزل أي أنزله بلسان عربي مبين.
وجوز بعضهم أن يكون متعلقا بقوله:"منذرين"والمعنى أنزله على قلبك لتدخل في زمرة الأنبياء من العرب وقد ذكر منهم في القرآن هود وصالح وإسماعيل وشعيب (عليهما السلام) وأول الوجهين أحسنهما.
قوله تعالى:"و إنه لفي زبر الأولين"الضمير للقرآن أو نزوله على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والزبر جمع زبور وهو الكتاب والمعنى وإن خبر القرآن أو خبر نزوله عليك في كتب الماضين من الأنبياء.
وقيل: الضمير لما في القرآن من المعارف الكلية أي إن المعارف القرآنية موجودة مذكورة في كتب الأنبياء الماضين.