و فيه أولا: أن المشركين ما كانوا يؤمنون بالأنبياء وكتبهم حتى يحتج عليهم بما فيها من التوحيد والمعاد وغيرهما ، وهذا بخلاف ذكر خبر القرآن ونزوله على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتب الأولين فإنه حينئذ يكون ملحمة تضطر النفوس إلى قبولها.
وثانيا: أنه لا يلائم الآية التالية.
قوله تعالى:"أ ولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل"ضمير"أن يعلمه"لخبر القرآن أو خبر نزوله على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي أ ولم يكن علم علماء بني إسرائيل بخبر القرآن أو نزوله عليك على سبيل البشارة في كتب الأنبياء الماضين آية للمشركين على صحة نبوتك وكانت اليهود تبشر بذلك وتستفتح على العرب به كما مر في قوله تعالى:"و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا": البقرة: 89.
وقد أسلم عدة من علماء اليهود في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعترفوا بأنه مبشر به في كتبهم والسورة من أوائل السور المكية النازلة قبل الهجرة ولم تبلغ عداوة اليهود للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبلغها بعد الهجرة وكان من المرجو أن ينطقوا ببعض ما عندهم من الحق ولو بوجه كلي.
قوله تعالى:"و لو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين"قال في المفردات: ، العجمة خلاف الإبانة والإعجام الإبهام - إلى أن قال - والعجم خلاف العرب والعجمي منسوب إليهم ، والأعجم من في لسانه عجمة عربيا كان أو غير عربي اعتبارا بقلة فهمهم عن العجم ، ومنه قيل للبهيمة عجماء والأعجمي منسوب إليه قوله تعالى:"و لو نزلناه على بعض الأعجمين"على حذف الياءات انتهى.
ومقتضى ما ذكره - كما ترى - أن أصل الأعجمين الأعجميين ثم حذفت ياء النسبة وبه صرح بعض آخر ، وذكر بعضهم أن الوجه أن أعجم مؤنثه عجماء وأفعل فعلاء لا يجمع جمع السلامة لكن الكوفيين من النحاة يجوزون ذلك وظاهر اللفظ يؤيد قولهم فلا موجب للقول بالحذف.
وكيف كان فظاهر السياق اتصال الآيتين بقوله:"بلسان عربي مبين"فتكونان في مقام التعليل له ويكون المعنى: نزلناه عليك بلسان عربي ظاهر العربية واضح الدلالة ليؤمنوا به ولا يتعللوا بعدم فهمهم مقاصده ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلسان أعجمي ما كانوا به مؤمنين وردوه بعدم فهم مقاصده.
فيكون المراد بنزوله على بعض الأعجمين نزوله أعجميا وبلسانه ، والآيتان والتي بعدهما في معنى قوله تعالى:"و لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياته أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى": حم السجدة: 44.
وقال بعضهم: إن المعنى ولو نزلناه قرآنا عربيا كما هو بنظمه الرائق المعجز على بعض الأعجمين الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية فقرأه عليهم قراءة صحيحة خارقة للعادات ما كانوا به مؤمنين مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة.
قال: وأما قول بعضهم: إن المعنى ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين فليس بذاك فإنه بمعزل من المناسبة لمقام بيان تماديهم في المكابرة والعناد.
انتهى ملخصا.
وفيه أن اتصال الآيتين بقوله:"بلسان عربي مبين"أقرب إليهما من اتصالهما بسياق تمادي الكفار في كفرهم وجحودهم وقد عرفت توضيحه.
ويمكن أن يورد على الوجه السابق أن الضمير في قوله:"و لو نزلناه على بعض الأعجمين"راجع إلى هذا القرآن الذي هو عربي فلو كان المراد تنزيله بلسان أعجمي لكان المعنى ولو نزلنا العربي غير عربي ولا محصل له.
ويرده أنه من قبيل قوله تعالى:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون": الزخرف: 3 ، ولا معنى لقولنا: إنا جعلنا العربي عربيا فالمراد بالقرآن على أي حال الكتاب المقروء.
قوله تعالى:"كذلك سلكناه في قلوب المجرمين"الإشارة بقوله:"كذلك"إلى الحال التي عليها القرآن عند المشركين وقد ذكرت في الآيات السابقة وهي أنهم معرضون عنه لا يؤمنون به وإن كان تنزيلا من رب العالمين وكان عربيا مبينا غير أعجمي وكان مذكورا في زبر الأولين يعلمه علماء بني إسرائيل.