قوله تعالى:"و أنذر عشيرتك الأقربين"في مجمع البيان: ، عشيرة الرجل قرابته سموا بذلك لأنه يعاشرهم وهم يعاشرونه انتهى.
وخص عشيرته وقرابته الأقربين بالذكر بعد نهي نفسه عن الشرك وإنذاره تنبيها على أنه لا استثناء في الدعوة الدينية ولا مداهنة ولا مساهلة كما هو معهود في السنن الملوكية فلا فرق في تعلق الإنذار بين النبي وأمته ولا بين الأقارب والأجانب ، فالجميع عبيد والله مولاهم.
قوله تعالى:"و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين أي اشتغل بالمؤمنين بك واجمعهم وضمهم إليك بالرأفة والرحمة كما يجمع الطير أفراخه إليه بخفض جناحه لها ، وهذا من الاستعارة بالكناية تقدم نظيره في قوله:"و اخفض جناحك للمؤمنين": الحجر: 88."
والمراد بالاتباع الطاعة بقرينة قوله في الآية التالية: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون"فملخص معنى الآيتين: إن آمنوا بك واتبعوك فاجمعهم إليك بالرأفة واشتغل بهم بالتربية وإن عصوك فتبرأ من عملهم."
قوله تعالى:"و توكل على العزيز الرحيم"أي ليس لك من أمر طاعتهم ومعصيتهم شيء وراء ما كلفناك فكل ما وراء ذلك إلى الله سبحانه فإنه لعزته سيعذب العاصين وبرحمته سينجي المؤمنين المتبعين.
وفي اختصاص اسمي العزيز والرحيم إلفات للذهن إلى ما تقدم من القصص ختمت واحدة بعد واحدة بالاسمين الكريمين.
فهو في معنى أن يقال: توكل في أمر المتبعين والعاصين جميعا إلى الله فهو العزيز الرحيم الذي فعل بقوم نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وقوم فرعون ما فعل مما قصصناه فسنته أخذ العاصين وإنجاء المؤمنين.
قوله تعالى:"الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين"ظاهر الآيتين - على ما يسبق إلى الذهن - أن المراد بالساجدين الساجدون في الصلاة من المؤمنين وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صلاته بهم جماعة ، والمراد بقرينة المقابلة القيام في الصلاة فيكون المعنى: الذي يراك وأنت بعينه في حالتي قيامك وسجودك متقلبا في الساجدين وأنت تصلي مع المؤمنين.
وفي معنى الآية روايات من طرق الشيعة وأهل السنة سنتعرض لها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
قوله تعالى:"إنه هو السميع العليم"تعليل لقوله:"و توكل على العزيز الرحيم"وفي الآيات - على ما تقدم من معناها - تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبشرى للمؤمنين بالنجاة وإيعاد للكفار بالعذاب.
قوله تعالى:"هل أنبئكم على من تنزل الشياطين - إلى قوله - كاذبون"، تعريف لمن تتنزل عليه الشياطين بما يخصه من الصفة ليعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس منهم ولا أن القرآن من إلقاء الشياطين ، والخطاب متوجه إلى المشركين.
فقوله:"هل أنبئكم على من تنزل الشياطين"في معنى هل أعرفكم الذين تتنزل عليهم شياطين الجن بالأخبار؟ وقوله:"تنزل على كل أفاك أثيم"قال في مجمع البيان: ، الأفاك الكذاب وأصل الإفك القلب والأفاك الكثير القلب للخبر عن جهة الصدق إلى جهة الكذب ، والأثيم الفاعل للقبيح يقال: أثم يأثم إثما إذا ارتكب القبيح وتأثم إذا ترك الإثم انتهى.
وذلك أن الشياطين لا شأن لهم إلا إظهار الباطل في صورة الحق وتزيين القبيح في زي الحسن فلا يتنزلون إلا على أفاك أثيم.
وقوله:"يلقون السمع وأكثرهم كاذبون"الظاهر أن ضميري الجمع في"يلقون"و"أكثرهم"معا للشياطين ، والسمع مصدر بمعنى المسموع والمراد به ما سمعه الشياطين من أخبار السماء ولو ناقصا فإنهم ممنوعون من الاستماع مرميون بالشهب فما استرقوه لا يكون إلا ناقصا غير تام ولا كامل ولذا يتسرب إليه الكذب كثيرا.
وقوله:"و أكثرهم كاذبون"أي أكثر الشياطين كاذبون لا يخبرون بصدق أصلا وهذا هو الكثرة بحسب الأفراد ويمكن أن يكون المراد الكثرة من حيث التنزل أي أكثر المتنزلين منهم كاذبون أي أكثر أخبارهم كاذبة.
ومحصل حجة الآيات الثلاث أن الشياطين لابتناء جبلتهم على الشر لا يتنزلون إلا على كل كذاب فاجر وأكثرهم كاذبون في أخبارهم ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بأفاك أثيم ولا ما يوحى إليه من الكلام كذبا مختلقا فليس ممن تتنزل عليه الشياطين ولا الذي يتنزل عليه شيطانا ، ولا القرآن النازل عليه من إلقاء الشياطين.