فهرس الكتاب

الصفحة 3199 من 4314

على أنه قيل: إن الإثابة على الطاعات من الفضل دون الاستحقاق لأن العبد وعمله لمولاه فلا يملك شيئا حتى يعاوضه بشيء.

قلت: ترك عقاب العاصي في الجملة مما لا كلام فيه لأنه من الفضل وأما بالجملة فلا لاستلزامه لغوية التشريع والتقنين وترتيب الجزاء على العمل.

وأما كون ثواب الأعمال من الفضل بالنظر إلى كون عمل العبد كنفسه لله فلا ينافي فضلا آخر منه تعالى على عبده باعتبار عمله ملكا له ، ثم جعل ما يثيبه عليه أجرا لعمله ، والقرآن مليء بحديث الأجر على الأعمال الصالحة ، وقد قال تعالى:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة": براءة: 111.

قوله تعالى:"و ما تنزلت به الشياطين - إلى قوله - لمعزولون"شروع في الجواب عن قول المشركين: إن لمحمد جنا يأتيه بهذا الكلام ، وقولهم: إنه شاعر ، وقدم الجواب عن الأول وقد وجه الكلام أولا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبين له أن القرآن ليس من تنزيل الشياطين وطيب بذلك نفسه ثم وجه القول إلى القوم فبينه لهم بما في وسعهم أن يفقهوه.

فقوله:"و ما تنزلت به الشياطين"أي ما نزلته والآية متصلة بقوله:"و إنه لتنزيل رب العالمين"ووجه الكلام كما سمعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله تلوا:"فلا تدع مع الله إلها آخر"إلى آخر الخطابات المختصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) المتفرعة على قوله:"و ما تنزلت به"إلخ ، على ما سيجيء بيانه.

وإنما وجه الكلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون القوم لأنه معلل بما لا يقبلونه بكفرهم أعني قوله:"إنهم عن السمع لمعزولون"والشيطان الشرير وجمعه الشياطين والمراد بهم أشرار الجن.

وقوله:"و ما ينبغي لهم"أي للشياطين.

قال في مجمع البيان: ، ومعنى قول العرب: ينبغي لك أن تفعل كذا أنه يطلب منك فعله في مقتضى العقل من البغية التي هي الطلب.

انتهى.

والوجه في أنه لا ينبغي لهم أن يتنزلوا به أنهم خلق شرير لا هم لهم إلا الشر والفساد والأخذ بالباطل وتصويره في صورة الحق ليضلوا به عن سبيل الله ، والقرآن كلام حق لا سبيل للباطل إليه فلا يناسب جبلتهم الشيطانية أن يلقوه إلى أحد.

وقوله:"و ما يستطيعون"أي وما يقدرون على التنزل به لأنه كلام سماوي تتلقاه الملائكة من رب العزة فينزلونه بأمره في حفظ وحراسة منه تعالى كما قال:"فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم": الجن: 28 ، وإلى ذلك يشير قوله:"إنهم عن السمع"إلخ.

وقوله:"إنهم عن السمع لمعزولون"أي إن الشياطين عن سمع الأخبار السماوية والاطلاع على ما يجري في الملإ الأعلى معزولون حيث يقذفون بالشهب الثاقبة لو تسمعوا كما ذكره الله في مواضع من كلامه.

قوله تعالى:"فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين"خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهاه عن الشرك بالله متفرع على قوله:"و ما تنزلت به الشياطين"إلخ ، أي إذا كان هذا القرآن تنزيلا من رب العالمين ولم تنزل به الشياطين وهو ينهى عن الشرك ويوعد عليه العذاب فلا تشرك بالله فينالك العذاب الموعود عليه وتدخل في زمرة المعذبين.

وكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوما بعصمة إلهية يستحيل معها صدور المعصية منه لا ينافي نهيه عن الشرك فإن العصمة لا توجب بطلان تعلق الأمر والنهي بالمعصوم وارتفاع التكليف عنه بما أنه بشر مختار في الفعل والترك متصور في حقه الطاعة والمعصية بالنظر إلى نفسه ، وقد تكاثرت الآيات في تكليف الأنبياء (عليهم السلام) في القرآن الكريم كقوله في الأنبياء (عليهم السلام) :"و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: 88 ، وقوله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"لئن أشركت ليحبطن عملك": الزمر: 65 ، والآيتان في معنى النهي.

وقول بعضهم: إن التكليف للتكميل فيرتفع عند حصول الكمال وتحققه لاستحالة تحصيل الحاصل خطأ فإن الأعمال الصالحة التي يتعلق بها التكاليف من آثار الكمال المطلوب والكمال النفساني كما يجب أن يكتسب بالإتيان بآثاره ومزاولة الأعمال التي تناسبه والارتياض بها كذلك يجب أن يستبقى بذلك فما دام الإنسان بشرا له تعلق بالحياة الأرضية لا مناص له عن تحمل أعباء التكليف ، وقد تقدم كلام في هذا المعنى في بعض الأبحاث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت