فهرس الكتاب

الصفحة 3198 من 4314

من لوازم معنى الظلم المتساوية له فعل الفاعل وتصرفه ما لا يملكه من الفعل والتصرف ، ويقابله العدل ولازمه أنه فعل الفاعل وتصرفه ما يملكه.

ومن هنا يظهر أن أفعال الفواعل التكوينية من حيث هي مملوكة لها تكوينا لا يتحقق فيها معنى الظلم لأن فرض صدور الفعل عن فاعله تكوينا مساوق لكونه مملوكا له بمعنى قيام وجوده به قياما لا يستقل دونه.

ولله سبحانه ملك مطلق منبسط على الأشياء من جميع جهات وجودها لقيامها به تعالى من غير غنى عنه واستقلال دونه فأي تصرف تصرف به فيها مما يسرها أو يسوؤها أو ينفعها أو يضرها ليس من الظلم في شيء وإن شئت فقل: عدل بمعنى ما ليس بظلم فله أن يفعل ما يشاء وله أن يحكم ما يريد كل ذلك بحسب التكوين.

فله تعالى ملك مطلق بذاته ، ولغيره من الفواعل التكوينية ملك تكويني بالنسبة إلى فعله حسب الإعطاء والموهبة الإلهية وهو ملك في طول ملكه تعالى وهو المالك لما ملكها والمهيمن على ما عليه سلطها.

ومن جملة هذه الفواعل النوع الإنساني بالنسبة إلى أفعاله وخاصة ما نسميها بالأفعال الاختيارية والاختيار الذي يتعين به هذه الأفعال ، فالواحد منا يجد من نفسه عيانا أنه يملك الاختيار بمعنى إمكان الفعل والترك معا ، فإن شاء فعل وإن لم يشأ ترك فهو يرى نفسه حرا يملك الفعل والترك ، أي فعل وترك كانا ، بمعنى إمكان صدور كل منهما عنه.

ثم إن اضطرار الإنسان إلى الحياة الاجتماعية المدنية اضطر العقل أن يغمض عن بعض ما للإنسان من حرية العمل ويرفع اليد عن بعض الأفعال التي كان يرى أنه يملكها وهي التي يختل بإتيانها أمر المجتمع فيختل نظم حياته نفسه وهذه هي المحرمات والمعاصي التي تنهى عنها القوانين المدنية أو السنن القومية أو الأحكام الملوكية الدائرة في المجتمعات.

ومن الضروري لتحكيم هذه القوانين والسنن أن يجعل نوع من الجزاء السيىء على المتخلف عنها - بشرط العلم وتمام الحجة لأنه شرط تحقق التكليف - من ذم أو عقاب ، ونوع من الأجر الجميل للمطيع الذي يحترمها من مدح أو ثواب.

ومن الضروري أن ينتصب على المجتمع والقوانين الجارية فيها من يجريها على ما هي عليه وهو مسئول عما نصب له وخاصة بالنسبة إلى أحكام الجزاء ، فلو لم يكن مسئولا وجاز له أن يجازي وأن لا يجازي ويأخذ المحسن ويترك المسيء لغا وضع القوانين والسنن من رأس.

هذه أصول عقلائية جارية في الجملة في المجتمعات الإنسانية منذ استقر هذا النوع على الأرض منبعثة عن فطرتهم الإنسانية.

وقد دلت البراهين العقلية وأيدها تواتر الأنبياء والرسل من قبله تعالى على أن القوانين الاجتماعية وسنن الحياة يجب أن تكون من عنده تعالى وهي أحكام ووظائف إنسانية تهدي إليها الفطرة الإنسانية وتضمن سعادة حياته وتحفظ مصالح مجتمعه.

وهذه الشريعة السماوية الفطرية واضعها هو الله سبحانه ومجريها من حيث الثواب والعقاب - وموطنهما موطن الرجوع إليه تعالى - هو الله سبحانه.

ومقتضى تشريعه تعالى هذه الشرائع السماوية واعتباره نفسه مجريا لها أنه أوجب على نفسه إيجابا تشريعيا - وليس بالتكويني - أن لا يناقض نفسه ولا يتخلف بإهمال أو إلغاء جزاء يستوجبه خلاف أو إعمال جزاء لا يستحقه عمل كتعذيب الغافل الجاهل بعذاب المتعمد المعاند ، وأخذ المظلوم بإثم الظالم وإلا كان ظلما منه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

ولعل هذا معنى ما يقال: إن الظلم مقدور له تعالى لكنه ليس بواقع البتة لأنه نقص كمال يتنزه تعالى عنه ففرض الظلم منه تعالى من فرض المحال وليس بفرض محال ، وهو المستفاد من ظاهر قوله تعالى:"و ما كنا ظالمين": الآية 209 من السورة ، وقوله:"إن الله لا يظلم الناس شيئا": يونس: 44 ، وقوله:"و ما ربك بظلام للعبيد": فصلت: 46 ، وقوله:"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165 ، فظاهرها أنها ليست من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع كما يومىء إليه تفسير من فسرها بأن المعنى أن الله لا يفعل فعلا لو فعله غيره لكان ظالما.

فإن قلت: ما ذكر من وجوب إجراء الجزاء ثوابا أو عقابا يخالف ما هو المسلم عندهم أن ترك عقاب العاصي جائز لأنه من حق المعاقب ومن الجائز على صاحب الحق تركه وعدم المطالبة به بخلاف ثواب المطيع لأنه من حق الغير وهو المطيع فلا يجوز تركه وإبطاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت