فهرس الكتاب

الصفحة 3230 من 4314

و قوله:"لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل"حجة أخرى منهم مبنية على الاستبعاد أي لقد وعدنا هذا وهو البعث بعد الموت نحن وآباؤنا وعدوه قبل أن يعدنا هذا النبي والذين وعدوا قبلا هم الأنبياء الماضون فهو وعد قديم لم نزل نوعد به ولو كان خبرا صادقا ووعدا حقا لوقع إلى هذا اليوم وإذ لم يقع فهو من الخرافات التي اختلقها الأولون وكانوا مولعين باختلاق الأوهام والخرافات والإصغاء إليها.

قوله تعالى:"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين"إنذار وتخويف لهم على إنكارهم وعد الأنبياء بالبعث بأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة المجرمين المكذبين للأنبياء المنذرين لهم بالبعث فإن في النظر إلى عاقبة أمرهم على ما تدل عليه مساكنهم الخربة وديارهم الخالية كفاية للمعتبرين من أولي الأبصار ، وفي التعبير عن المكذبين بالمجرمين لطف بالمؤمنين في ترك الجرائم.

كذا قيل.

ويمكن أن تقرر الآية حجة تدل على المعاد وتقريبها أن انتهاء عاقبة أمر المجرمين

إلى عذاب الاستئصال دليل على أن الإجرام والظلم من شأنه أن يؤاخذ عليه وأن العمل إحسانا كان أو إجراما محفوظ على عامله سيحاسب عليه وإذ لم تقع عامة هذا الحساب والجزاء - وخاصة على الأعمال الصالحة - في الدنيا فذلك لا محالة في نشأة أخرى وهي الدار الآخرة.

فتكون الآية في معنى قوله تعالى:"أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28 ، ويؤيد هذا التقرير قوله:"عاقبة المجرمين"ولو كان المراد تهديد مكذبي الرسل وتخويفهم كان الأنسب أن يقال: عاقبة المكذبين ، كما تقدمت الإشارة إليه.

قوله تعالى:"و لا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون"أي لا يحزنك إصرارهم على الكفر والجحود ولا يضق صدرك من مكرهم لإبطال دعوتك وصدهم الناس عن سبيل الله فإنهم بعين الله وليسوا بمعجزيه وسيجزيهم بأعمالهم.

فالآية مسوقة لتطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقوله:"و لا تكن في ضيق"إلخ ، معطوف على ما قبله عطف التفسير.

قوله تعالى:"و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين"الظاهر أن المراد بالوعد الوعد بعذاب المجازاة أعم من الدنيا والآخرة ، والسياق يؤيد ذلك والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون"قالوا: إن اللام في"ردف لكم"مزيدة للتأكيد ، كالباء في قوله:"و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة": البقرة: 198 ، والمعنى تبعكم ولحق بكم ، وقيل: إن ردف مضمن معنى فعل يعدى باللام.

والمراد ببعض الذي يستعجلونه هو عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة فإنهم كانوا يستعجلون إنجاز ما وعدهم الله من الحكم الفصل ، وهو ملازم لعذابهم ، وعذابهم في الدنيا بعض العذاب الذي يستعجلونه باستنجاز الوعد ، ولعل مراد الآية به عذاب يوم بدر كما قيل.

قالوا: إن"عسى ولعل"من الله تعالى واجب لأن حقيقة الترجي مبنية على

الجهل ولا يجوز عليه تعالى ذلك فمعنى قوله:"عسى أن يكون ردف لكم"سيردفكم ويأتيكم العذاب محققا.

وفيه أن معنى الترجي والتمني ونحوهما كما جاز أن يقوم بنفس المتكلم يجوز أن يقوم بالمقام أو بالسامع أو غيرهما وهو في كلامه تعالى قائم بغير المتكلم من المقام وغيره وما في الآية من الجواب لما أرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان الرجاء المدلول عليه بكلمة عسى قائما بنفسه الشريفة والمعنى: قل أرجو أن يكون ردف لكم العذاب.

وفي تفسير أبي السعود: ، وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بها ، وإنما يطلقونها إظهارا للوقار ، وإشعارا بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم وعلى ذلك مجرى وعد الله تعالى ووعيده انتهى وهو وجه وجيه.

ومعنى الآية: قل لهؤلاء السائلين عن وقت الوعد: أرجو أن يكون تبعكم بعض الوعد الذي تستعجلونه وهو عذاب الدنيا الذي يقربكم من عذاب الآخرة ويؤديكم إليه ، وفي التعبير بقوله:"ردف لكم"إيماء إلى قربه.

قوله تعالى:"و إن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون"معنى الآية في نفسها ظاهر ووقوعها في سياق التهديد والتخويف يفيد أن تأخيره تعالى العذاب عنهم مع استحقاقهم ذلك إنما هو فضل منه عليهم يجب عليهم شكره عليه لكنهم لا يشكرونه ويسألون تعجيله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت