أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:"قل هاتوا برهانكم"أن يطالبهم بالبرهان على ما يدعونه من ألوهية آلهتهم ليظهر بانقطاعهم أنهم مجازفون في دعواهم إذ لو استدلوا على ألوهيتها بشيء كان من الواجب أن ينسبوا إليها شيئا من تدبير العالم والحال أن جميع الخلق والتدبير له تعالى وحده.
قوله تعالى:"قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون"لما أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إبطال ألوهية آلهتهم بانتساب الخلق والتدبير إليه تعالى وحده أن يطالبهم بالبرهان على ما يدعونه أمره ثانيا أن يواجههم ببرهان آخر على بطلان ألوهية آلهتهم وهو عدم علمهم بالغيب وعدم شعورهم بالساعة وأنهم أيان يبعثون مع أنه لا يعلم أحد ممن في السماوات والأرض - ومنهم آلهتهم الذين هم الملائكة
والجن وقديسو البشر - الغيب وما يشعرون أيان يبعثون ، ولو كانوا آلهة لهم تدبير أمر الخلق - ومن التدبير الجزاء يوم البعث - لعلموا بالساعة.
وقد ظهر بهذا البيان أن قوله:"لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله"برهان مستقل على بطلان ألوهية آلهتهم واختصاص الألوهية به تعالى وحده وأن قوله:"و ما يشعرون أيان يبعثون"من عطف أوضح أفراد الغيب عليه وأهمها علما بالنسبة إلى أمر التدبير.
وظهر أيضا أن ضميري الجمع في"و ما يشعرون أيان يبعثون"لمن في السماوات لعدم تمام البيان بدونه.
فقول بعضهم: إن الضمير للمشركين وإن كان عدم الشعور بما ذكر عاما لئلا يلزم التفكيك بينه وبين الضمائر الآتية الراجعة إليهم قطعا.
فيه أنه ينافي ما سيقت له الآية الكريمة من البيان كما قدمنا الإشارة إليه والتفكيك بين الضمائر مع وجود القرينة لا بأس به.
قوله تعالى:"بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون"ادارك في الأصل تدارك والتدارك تتابع أجزاء الشيء بعضها بعد بعض حتى تنقطع ولا يبقى منها شيء ، ومعنى تدارك علمهم في الآخرة أنهم صرفوا ما عندهم من العلم في غيرها حتى نفد علمهم فلم يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة على حد قوله تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم": النجم: 30 و"عمون"جمع عمي.
لما انتهى احتجاجه تعالى إلى ذكر عدم شعور أحد غيره تعالى بوقت البعث وتبكيت المشركين بذلك رجع إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره أنهم في معزل عن الخطاب بذلك إذ لا خبر لهم عن شيء عن أمور الآخرة فضلا عن وقت قيام الساعة وذلك أنهم صرفوا ما عندهم من العلم في جهات الحياة الدنيا فهم في جهل مطلق بالنسبة إلى أمور الآخرة بل هم في شك من الآخرة يرتابون في أمرها كما يظهر من احتجاجاتهم على نفيها المبنية على الاستبعاد بل هم منها عمون والله أعمى قلوبهم عن التصديق بها والاعتقاد بوجودها.
وقد ظهر بهذا البيان أن تكرر كلمة الإضراب لبيان مراتب الحرمان من العلم بالآخرة وأنهم في أعلاها ، فقوله:"بل ادارك علمهم في الآخرة"أي لا علم لهم بها كأنها لم تقرع سمعهم ، وقوله:"بل هم في شك منها"أي أنه قرع سمعهم خبرها وورد قلوبهم لكنهم ارتابوا ولم يصدقوا بها ، وقوله:"بل هم منها عمون"أي إنهم لم ينقطعوا عن الاعتقاد بها من عند أنفسهم وباختيار منهم بل الله سبحانه أعمى أبصار قلوبهم فصاروا عمين فهيهات أن يدركوا من أمرها شيئا.
وقيل: المراد بتدارك علمهم تكامله وبلوغه حد اليقين لتكامل الحجج الدالة على حقية البعث والجملة مسوقة للتهكم ، وفيه أنه لا يلائم ما يتبعه من الإضراب بالشك والعمى.
قوله تعالى:"و قال الذين كفروا أ إذا كنا ترابا وآباؤنا أ إنا لمخرجون - إلى قوله - الأولين"حكاية حجة منهم لنفي البعث مبنية على الاستبعاد أي كيف يمكن أن نخرج من الأرض بشرا تامين كما نحن اليوم وقد متنا وكنا ترابا نحن وآباؤنا كذلك؟.