فهرس الكتاب

الصفحة 3228 من 4314

و ذلك أن تصرفاته التي يتصرف بها في الأرض وما فيها بخلافته أمور مرتبطة بحياته متعلقة بمعاشه فالسوء الذي يوقعه موقع الاضطرار ويسأل الله كشفه لا محالة شيء من الأشياء التي تمنعه التصرف أو بعض التصرف فيها وتغلق عليه باب الحياة والبقاء وما يتعلق بذلك أو بعض أبوابها ففي كشف السوء عنه تتميم لخلافته.

ويتضح هذا المعنى مزيد اتضاح لو حمل الدعاء والمسألة في قوله:"إذا دعاه"على الأعم من الدعاء اللساني كما هو الظاهر من قوله تعالى:"و آتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34 ، وقوله:"يسأله من في السماوات والأرض": الرحمن: 29 ، إذ يكون على هذا جميع ما أوتي الإنسان ورزقه من التصرفات من مصاديق كشف السوء عن المضطر المحتاج إثر دعائه فجعله خليفة يتبع إجابة دعائه وكشف السوء الذي اضطره عنه.

وقيل: المعنى ويجعلكم خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض تسكنون مساكنهم وتتصرفون فيها بعدهم هذا.

وما قدمناه من المعنى أنسب منه للسياق.

وقيل: المعنى: ويجعلكم خلفاء من الكفار بنزول بلادهم وطاعة الله تعالى بعد شركهم وعنادهم.

وفيه أن الخطاب في الآية كسائر الآيات الخمس التي قبلها للكفار لا للمؤمنين كما عليه بناء الوجه.

وقوله:"قليلا ما تذكرون"خطاب توبيخي للكفار وقرىء"يذكرون"بالياء للغيبة وهو أرجح لموافقته ما في ذيل سائر الآيات الخمس كقوله:"بل هم قوم يعدلون""بل أكثرهم لا يعلمون"وغيرهما ، فإن الخطاب فيها جميعا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطريق الالتفات كما مر بيانه.

قوله تعالى:"أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته"إلخ ، والمراد بظلمات البر والبحر ظلمات الليالي في البر والبحر ففيه مجاز عقلي ، والمراد بإرسال الرياح بشرا إرسالها مبشرات بالمطر قبيل نزوله والرحمة المطر ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض"إلخ ، بدء الخلق إيجاده ابتداء لأول مرة وإعادته إرجاعه إليه بالبعث وتبكيت المشركين بالبدء والإعادة مع إنكارهم البعث كما سيذكره بقوله:"و قال الذين كفروا"إلخ ، بناء على ثبوت المعاد بالأدلة القاطعة في كلامه فأخذ كالمسلم ثم استدرك إنكارهم له أو شكهم فيه في الآيات التالية.

وقيل: المراد ببدء الخلق ثم إعادته إيجاد الواحد من نوعه ثم إهلاكه وإيجاد نظيره بعده وبالجملة إيجاد المثل بعد المثل فلا يرد أن المشركين منكرون للمعاد فكيف يحتج به عليهم.

هذا وهو بعيد من ظاهر الآية.

وما تتضمنه الآية من لطائف الحقائق القرآنية يفيد أن لا بطلان في الوجود مطلقا بل ما أوجده الله تعالى بالبدء سيرجع إليه بالإعادة وما نشاهده من الهلاك فيها فقدان منا له بعد وجدانه.

وأما ما أجمع عليه المتكلمون من امتناع إعادة المعدوم في بعض الموجودات كالأعراض واختلفوا في جواز إعادة بعض آخر كالجواهر ، لا ارتباط له بمسألة البعث على ما تقرره الآية ، فإن البعث ليس من باب إعادة المعدوم حتى يمتنع بامتناع إعادته

لو امتنعت بل البعث عود الخلق ورجوعه وهو خلق من غير بطلان إلى ربه المبدىء له.

وقوله:"و من يرزقكم من السماء والأرض"إشارة إلى ما وقع من تدبيره لأمرهم بين البدء والعود وهو رزقهم بأسباب سماوية كالأمطار وأسبابها والأرضية كعامة ما يتغذى به الإنسان من الأرضيات.

وقوله:"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"لما ذكر سبحانه فصولا مشتملة على عامة الخلق والتدبير مع الإشارة إلى ارتباط التدبير بعضه ببعض وارتباط الجميع إلى الخلق وعاد الخلق والتدبير بذلك أمرا واحدا منتسبا إليه قائما به تعالى وأثبت بذلك أنه تعالى هو رب كل شيء وحده لا شريك له وكان لازم ذلك إبطال ألوهية الآلهة التي يدعونها من دون الله.

-وذلك أن الألوهية وهي استحقاق العبادة تتبع الربوبية التي هي تدبير عن ملك فالعبادة على ما يتداولونها إما لتكون شكرا للنعمة أو اتقاء للنقمة وعلى أي حال ترتبط بالتدبير الذي هو من شئون الربوبية -.

-وكان إبطال ألوهية الآلهة من دون الله هو الغرض من الفصول الموردة في هذه الآيات كما يدل على ذلك قوله بعد إيراد كل واحد من الفصول:"أ ءله مع الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت