ثم قيده بقوله:"إذا دعاه"للدلالة على أن المدعو يجب أن يكون هو الله سبحانه وإنما يكون ذلك عند ما ينقطع الداعي عن عامة الأسباب الظاهرية ويتعلق قلبه بربه وحده وأما من تعلق قلبه بالأسباب الظاهرية فقط أو بالمجموع من ربه ومنها فليس يدعو ربه وإنما يدعو غيره.
فإذا صدق في الدعاء وكان مدعوه ربه وحده فإنه تعالى يجيبه ويكشف السوء الذي اضطره إلى المسألة كما قال تعالى:"ادعوني أستجب لكم": المؤمن: 60 ، فلم يشترط للاستجابة إلا أن يكون هناك دعاء حقيقة وأن يكون ذلك الدعاء متعلقا به وحده ، وقال أيضا:"و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 ، وقد فصلنا القول في معنى الدعاء في الجزء الثاني من الكتاب في ذيل الآية.
وبما مر من البيان يظهر فساد قول بعضهم إن اللام في"المضطر"للجنس دون الاستغراق فكم من مضطر يدعو فلا يجاب فالمراد إجابة دعاء المضطر في الجملة لا بالجملة.
وجه الفساد أن مثل قوله:"ادعوني أستجب لكم"وقوله:"فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان"يأبى تخلف الدعاء عن الاستجابة ، وقوله: كم من مضطر يدعو
فلا يجاب ، غير مسلم إذا كان دعاء حقيقة لله سبحانه وحده كما تقدم بيانه.
على أن هناك آيات كثيرة تدل على أن الإنسان يتوجه عند الاضطرار كركوب السفينة نحو ربه فيدعوه بالإخلاص فيستجاب له كقوله تعالى:"و إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما الآية ،: يونس: 12 ، وقوله:"حتى إذا كنتم في الفلك إلى قوله وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين": يونس: 22 ، وكيف يتصور تعلق النفس بتوجهها الغريزي الفطري بأمر لا اطمئنان لها به فما قضاء الفطرة في ذلك إلا كقضائها عند إدراك حاجتها الوجودية إلى من يوجدها ويدبر أمرها أن هناك أمرا يرفع حاجتها وهو الله سبحانه."
فإن قلت: نحن كثيرا ما نتوسل في حوائجنا من الأسباب الظاهرية بما لا نقطع بفعلية تأثيره في رفع حاجتنا وإنما نتعلق به رجاء أن ينفعنا إن نفع.
قلت: هذا توسل فكري مبدؤه الطمع والرجاء وهو غير التوسل الغريزي الفطري نعم في ضمنه نوع من التوجه الغريزي الفطري وهو التسبب بمطلق السبب ومطلق السبب لا يتخلف ، فافهم.
وظهر أيضا فساد قول من قال: المراد بالمضطر إذا دعاه المذنب إذا استغفره فإن الله يغفر له وهو إجابته.
وفيه أن إشكال الاستغراق بحاله فما كل استغفار يستتبع المغفرة ولا كل مستغفر يغفر له.
على أنه لا دليل على تقييد إطلاق المضطر بالمذنب العاصي.
وذكر بعضهم: أن الاستغراق بحاله لكن ينبغي تقييد الإجابة بالمشية كما وقع ذلك في قوله تعالى:"فيكشف ما تدعون إليه إن شاء": الأنعام: 41.
وفيه أن الآية واقعة في سياق لا تصلح معه لتقييد الإجابة في آية المضطر وهو قوله تعالى:"قل أ رأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أ غير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء"فالساعة من القضاء المحتوم لا يتعلق بكشفها طلب حقيقي ، وأما العذاب الإلهي فإن طلب كشفه بتوبة وإيمان حقيقي فإن الله يكشفه كما كشف عن قوم يونس وإن لم يكن كذلك بل احتيالا للنجاة منه فلا لعدم كونه طلبا حقيقيا بل مكرا في صورة الطلب كما حكاه الله عن فرعون لما
أدركه الغرق"قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ء الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين: يونس": 91 ، وحكى عن أقوام آخرين أخذهم بالعذاب:"قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين": الأنبياء: 15.
وبالجملة فمورد قوله:"فيكشف ما تدعون إليه إن شاء"لما كان مما يمكن أن يكون الطلب فيه حقيقيا أو غير حقيقي كان من اللازم تقييد الكشف والإجابة فيه بالمشية فيكشف الله عنهم إن شاء وذلك في مورد حقيقة الطلب والإيمان ولا يكشف إن لم يشأ وهذا غير مورد آية المضطر وسائر آيات إجابة الدعوة الذي يتضمن حقيقة الدعاء من الله سبحانه وحده.
وقوله:"و يجعلكم خلفاء الأرض"الذي يعطيه السياق أن يكون المراد بالخلافة الخلافة الأرضية التي جعلها الله للإنسان يتصرف بها في الأرض وما فيها من الخليقة كيف يشاء كما قال تعالى:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة": البقرة: 30.