و قد تنبه لهذا الإشكال بعض من حمل الآية على الحشر يوم القيامة فقال: لعل تقديم ذكر هذه الواقعة على نفخ الصور ووقوع الواقعة للإيذان بأن كلا مما تضمنه هذا وذاك من الأحوال طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة.
وأنت خبير بأنه وجه مختلق غير مقنع ، ولو كان كما ذكر لكان دفع توهم كون الحشر المذكور في الآية في غير يوم القيامة بوضع الآية بعد آية نفخ الصور مع ذكر ما يرتفع به الإبهام المذكور أولى بالرعاية من دفع هذا التوهم الذي توهمه.
فقد بان أن الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة وإن لم تكن نصا لا يقبل التأويل.
قوله تعالى: حتى إذا جاءوا قال أ كذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون المراد بالمجيء - بإعانة من السياق - هو الحضور في موطن الخطاب المدلول عليه بقوله: قال أ كذبتم إلخ والمراد بالآيات - كما تقدم في الآية السابقة - مطلق الآيات الدالة على الحق ، وقوله: ولم تحيطوا بها علما جملة حالية أي كذبتم بها حال كونكم لا علم لكم بها لإعراضكم عنها فكيف كذبتم بما لا تعلمون أي رميتموها بالكذب وعدم الدلالة من غير علم ، وقوله: أما ذا كنتم تعملون أي غير التكذيب.
والمعنى: حتى إذا حضروا في موطن الخطاب قال الله سبحانه لهم: أ كذبتم بآياتي حال كونكم لم تحيطوا بها علما أم أي شيء كنتم تعملون غير التكذيب ، وفي ذلك عتابهم بأنهم لم يشتغلوا بشيء غير تكذيبهم بآيات الله من غير أن يشغلهم عنه شاغل معذر.
قوله تعالى: ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون الباء في بما ظلموا للسببية وما مصدرية أي وقع القول عليهم بسبب كونهم ظالمين ، وقوله: فهم لا ينطقون تفريع على وقوع القول عليهم.
وبذلك يتأيد أن المراد بالقول الذي يقع عليهم قوله تعالى: إن الله لا يهدي القوم الظالمين: الأنعام: 144 ، والمعنى: ولكونهم ظالمين في تكذيبهم بالآيات لم يهتدوا إلى ما يعتذرون به فانقطعوا عن الكلام فهم لا ينطقون.
وربما فسر وقوع القول عليهم بوجوب العذاب عليهم والأنسب على هذا أن يكون المراد بالقول الواقع عليهم قضاؤه تعالى بالعذاب في حق الظالمين في مثل قوله:
ألا إن الظالمين في عذاب مقيم: الشورى: 45 ، والمعنى: ولكونهم ظالمين قضي فيهم بالعذاب فلم يكن عندهم ما ينطقون به ، والوجه السابق أوجه.
وأما تفسير وقوع القول بحلول العذاب ودخول النار فبعيد من السياق لعدم ملاءمته التفريع في قوله: فهم لا ينطقون.
قوله تعالى: أ لم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون لما وصف في الآيات السابقة أن كثيرا من الناس في صمم وعمي من استماع كلمة الحق والنظر في آيات الله والاعتبار بهما ، ثم ذكر دابة الأرض وأنه سيخرجها آية خارقة للعادة تكلمهم ، ثم ذكر أنه سيحشر فوجا من كل أمة من المكذبين فيعاتبهم فتتم عليهم الحجة بقولهم بغير علم بالآيات لإعراضهم عنها وبخهم في هذه الآية ولامهم على تكذيبها بالآيات مع الجهل أنهم كانوا يرون الليل الذي يسكنون فيه بالطبع وأن هناك نهارا مبصرا يظهر لهم بها آيات السماء والأرض فلم لم يتبصروا؟.
وقوله: إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون أي في جعل الليل سكنا يسكنون فيه والنهار مبصرا يبصرون فيه آيات السماء والأرض آيات لقوم فيهم خاصة الإذعان والتصديق للحق اللائح لهم.
والمراد بالآيات العلامات والجهات الدالة فيهما على التوحيد وما يتبعه من حقائق المعارف ، ومن جملة ذلك دلالتهما على أن الإنسان عليه أن يسكن فيما من شأنه أن يسكن فيه ، وهو الليل الذي يضرب بحجاب ظلمته على الأبصار ، ويتحرك فيما من شأنه أن يتحرك فيه وهو النهار المبصر الذي يظهر به الأشياء التي تتضمن منافع الحياة للأبصار.
فعلى الإنسان أن يسكت عما حجبته عنه ظلمة الجهل ولا يقول بغير علم ولا يكذب بما لا يحيط به علما وأن يقول ويؤمن بما تجليه له بينات الآيات التي هي كالنهر المبصرة.