فهرس الكتاب

الصفحة 3237 من 4314

قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين النفخ في الصور كناية عن إعلام الجماعة الكثيرين كالعسكر بما يجب عليهم أن يعملوا به جمعا كالحضور والارتحال وغير ذلك ، والفزع كما قال الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ، والدخور الذلة والصغار.

قيل: المراد بهذا النفخ النفخة الثانية للصور التي بها تنفخ الحياة في الأجساد فيبعثون لفصل القضاء ، ويؤيده قوله في ذيل الآية: وكل أتوه داخرين والمراد به حضورهم عند الله سبحانه ، ويؤيده أيضا استثناؤه من شاء الله من حكم الفزع ثم قوله فيمن جاء بالحسنة: وهم من فزع يومئذ آمنون حيث يدل على أن الفزع المذكور هو الفزع في النفخة الثانية.

وقيل: المراد به النفخة الأولى التي يموت بها الأحياء بدليل قوله: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون: الزمر: 68 ، فإن الصعقة من الفزع وقد رتب على النفخة الأولى وعلى هذا يكون المراد بقوله:"و كل أتوه داخرين رجوعهم إلى الله سبحانه بالموت."

ولا يبعد أن يكون المراد بالنفخ في الصور يومئذ مطلق النفخ أعم مما يميت أو يحيي فإن النفخ كيفما كان من مختصات الساعة ، ويكون ما ذكر من فزع بعضهم وأمن بعضهم من الفزع وسير الجبال من خواص النفخة الأولى وما ذكر من إتيانهم داخرين من خواص النفخة الثانية ويندفع بذلك ما يورد على كل واحد من الوجهين السابقين.

وقد استثنى سبحانه جمعا من عباده من حكم الفزع العام الشامل لمن في السماوات والأرض ، وسيجيء كلام في معنى هذا الاستثناء في الكلام على قوله الآتي: وهم من فزع يومئذ آمنون.

والظاهر أن المراد بقوله: وكل أتوه داخرين رجوع جميع من في السماوات والأرض حتى المستثنين من حكم الفزع وحضورهم عنده تعالى ، وأما قوله: فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين: الصافات: 127 ، فالظاهر أن المراد نفي إحضارهم في الجمع للحساب والسؤال لا نفي بعثهم ورجوعهم إلى الله وحضورهم عنده فآيات القيامة ناصة على عموم البعث لجميع الخلائق بحيث لا يشذ منهم شاذ.

ونسبة الدخور والذلة إلى أوليائه تعالى لا تنافي ما لهم من العزة عند الله فإن عزة العبد عند الله ذلته عنده وغناه بالله فقره إليه نعم ذلة أعدائه بما يرون لأنفسهم من العزة الكاذبة ذلة هوان.

قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي

أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون الآية بما أنها واقعة في سياق آيات القيامة محفوفة بها تصف بعض ما يقع يومئذ من الآيات وهو سير الجبال وقد قال تعالى في هذا المعنى أيضا: وسيرت الجبال فكانت سرابا: النبأ: 20 ، إلى غير ذلك.

فقوله: وترى الجبال الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به تمثيل الواقعة ، كما في قوله: وترى الناس سكارى: الحج: 2 ، أي هذا حالها المشهودة في هذا اليوم تشاهدها لو كنت مشاهدا ، وقوله: تحسبها جامدة أي تظنها الآن ولم تقم القيامة بعد جامدة غير متحركة ، والجملة معترضة أو حالية.

وقوله: وهي تمر مر السحاب حال من الجبال وعاملها ترى أي تراها إذا نفخ في الصور حال كونها تسير سير السحاب في السماء.

وقوله: صنع الله الذي أتقن كل شيء مفعول مطلق لمقدر أي صنعه صنعا وفي الجملة تلويح إلى أن هذا الصنع والفعل منه تعالى تخريب للدنيا وهدم للعالم ، لكنه في الحقيقة تكميل لها وإتقان لنظامها لما يترتب عليه من إنهاء كل شيء إلى غايته وإيصاله إلى وجهته التي هو موليها من سعادة أو شقاوة لأن ذلك صنع الله الذي أتقن كل شيء فهو سبحانه لا يسلب الإتقان عما أتقنه ولا يسلط الفساد على ما أصلحه ففي تخريب الدنيا تعمير الآخرة.

وقوله:"إنه خبير بما تفعلون قيل: إنه تعليل لكون ما ذكر من النفخ في الصور وما بعده صنعا محكما له تعالى فإن علمه بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها مما يستدعي إظهارها وبيان كيفياتها على ما هي عليه من الحسن والسوء وترتيب آثارها من الثواب والعقاب عليها بعد البعث والحشر وتسيير الجبال."

وأنت ترى ما فيه من التكلف وأن السياق بعد ذلك كله لا يقبله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت