فهرس الكتاب

الصفحة 3238 من 4314

و قيل: إن قوله: إنه خبير بما تفعلون استئناف في حكم الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا يكون بعد هذه القوارع فقيل إن الله خبير بعمل العاملين فيجازيهم على أعمالهم وفصل بقوله: من جاء بالحسنة فله خير منها إلى آخر الآيتين.

وهاهنا وجه آخر مستفاد من الإمعان في سياق الآيات السابقة فإن الله سبحانه أمر فيها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوكل عليه ويرجع أمر المشركين وبني إسرائيل إليه فإنه إنما

يستطيع هداية المؤمنين بآياته المستسلمين للحق وأما المشركون في جحودهم وبنو إسرائيل في اختلافهم فإنهم موتى لا يسمعون وصم عمي لا يسمعون ولا يهتدون إلى الحق بالنظر في آيات السماء والأرض والاعتبار بها باختيار منهم.

ثم ذكر ما سيواجههم به - وحالهم هذه الحال لا يؤثر فيهم الآيات - وأنه سيخرج لهم دابة من الأرض تكلمهم وهي آية خارقة تضطرهم إلى قبول الحق وأنه يحشر من كل أمة فوجا من المكذبين فيتم عليهم الحجة ، وبالآخرة هو خبير بأفعالهم سيجزي من جاء بحسنة أو سيئة بعمله يوم ينفخ في الصور ففزعوا وأتوه داخرين.

وبالتأمل في هذا السياق يظهر أن الأنسب كون يوم ينفخ ظرفا لقوله: إنه خبير بما يفعلون وقراءة يفعلون بياء الغيبة أرجح من القراءة المتداولة على الخطاب.

والمعنى: وإنه تعالى خبير بما يفعله أهل السماوات والأرض يوم ينفخ في الصور ويأتونه داخرين يجزي من جاء بالحسنة بخير منها ومن جاء بالسيئة بكب وجوههم في النار كل مجزي بعمله ، وعلى هذا تكون الآية في معنى قوله تعالى:"أ فلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير: العاديات: 11 ، وقوله: يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء: المؤمن: 16 ، ويكون قوله: من جاء بالحسنة إلخ ، تفصيلا لقوله: إنه خبير بما يفعلون من حيث لازم الخبرة وهو الجزاء بما فعل وعمل كما أشار إليه ذيلا بقوله: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون والالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: هل تجزون إلخ ، لتشديد التقريع والتأنيب."

وفي الآية أعني قوله: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب إلخ ، قولان آخران: أحدهما: حملها على الحركة الجوهرية وأن الأشياء كالجبال تتحرك بجوهرها إلى غاية وجودها وهي حشرها ورجوعها إلى الله سبحانه.

وهذا المعنى أنسب بالنظر إلى ما في قوله: تحسبها جامدة من التلويح إلى أنها اليوم متحركة ولما تقم القيامة ، وأما جعل يوم القيامة ظرفا لحسبان الجمود وللمرور كالسحاب جميعا فمما لا يلتفت إليه.

وثانيهما: حملها على حركة الأرض الانتقالية وهو بالنظر إلى الآية في نفسها معنى

جيد إلا أنه أولا: يوجب انقطاع الآية عما قبلها وما بعدها من آيات القيامة وثانيا: ينقطع بذلك اتصال قوله: إنه خبير بما يفعلون بما قبله.

قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون هذه الآية وما بعدها - كما تقدمت الإشارة إليه - تفصيل لقوله: إنه خبير بما يفعلون من حيث أثره الذي هو الجزاء والمراد بقوله: من جاء بالحسنة فله خير منها أن له جزاء هو خير مما جاء به من الحسنة وذلك لأن العمل أيا ما كان مقدمة للجزاء مقصود لأجله والغرض والغاية على أي حال أفضل من المقدمة.

وقوله: وهم من فزع يومئذ آمنون ظاهر السياق أن هذا الفزع هو الفزع بعد نفخ الصور الثاني دون الأول فيكون في معنى قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون: الأنبياء: 103.

قوله تعالى: ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون يقال: كبه على وجهه فانكب أي ألقاه على وجهه فوقع عليه فنسبة الكب إلى وجوههم من المجاز العقلي والأصل فكبوا على وجوههم.

وقوله: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون الاستفهام للإنكار ، والمعنى ليس جزاؤكم هذا إلا نفس العمل الذي عملتموه ظهر لكم فلزمكم فلا ظلم في الجزاء ولا جور في الحكم.

والآيتان في مقام بيان ما في طبع الحسنة والسيئة من الجزاء ففيهما حكم من جاء بالحسنة فقط ومن أحاطت به الخطيئة واستغرقته السيئة وأما من حمل حسنة وسيئة فيعلم بذلك حكمه إجمالا وأما التفصيل ففي غير هذا الموضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت