فهرس الكتاب

الصفحة 3239 من 4314

قوله تعالى: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء الآيات الثلاث - من هنا إلى آخر السورة - ختام السورة يبين فيها أن هذه الدعوة الحقة تبشير وإنذار فيه إتمام للحجة من غير أن يرجع إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمرهم شيء وإنما الأمر إلى الله وسيريهم آياته فيعرفونها ليس بغافل عن أعمالهم.

وفي قوله: إنما أمرت إلخ ، تكلم عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو في معنى: قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ، والمشار إليها بهذه الإشارة مكة المشرفة ، وفي الكلام تشريفها من وجهين: إضافة الرب إليها ، وتوصيفها بالحرمة حيث قال:

رب هذه البلدة الذي حرمها.

وفيه تعريض لهم حيث كفروا بهذه النعمة نعمة حرمة بلدتهم ولم يشكروا الله بعبادته بل عدلوا إلى عبادة الأصنام.

وقوله: وله كل شيء إشارة إلى سعة ملكه تعالى دفعا لما يمكن أن يتوهم أنه إنما يملك مكة التي هو ربها فيكون حاله حال سائر الأصنام يملك الواحد منها على عقيدتهم جزء من أجزاء العالم كالسماء والأرض وبلدة كذا وقوم كذا وأسرة كذا ، فيكون تعالى معبودا كأحد الآلهة واقعا في صفهم وفي عرضهم.

وقوله: وأمرت أن أكون من المسلمين أي من الذين أسلموا له فيما أراد ولا يريد إلا ما يهدي إليه الخلقة ويهتف به الفطرة وهو الدين الحنيف الفطري الذي هو ملة إبراهيم.

قوله تعالى: وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين معطوف على قوله: أن أعبد أي أمرت أن أقرأ القرآن والمراد تلاوته عليهم بدليل تفريع قوله: فمن اهتدى إلخ ، عليه.

وقوله: فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي فمن اهتدى بهذا القرآن فالذي ينتفع به هو نفسه ولا يعود نفعه إلي.

وقوله: ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين أي ومن لم يهتد به بالإعراض عن ذكر ربه وهو الضلال فعليه ضلاله ووبال كفره لا علي لأني لست إلا منذرا مأمورا بذلك ولست عليه وكيلا والله هو الوكيل عليه.

فالعدول عن مثل قولنا: ومن ضل فإنما أنا من المنذرين وهو الذي كان يقتضيه الظاهر إلى قوله: فقل إنما أنا من المنذرين لتذكيره (صلى الله عليه وآله وسلم) بما تقدم من العهد إليه أنه ليس إلا منذرا وليس إليه من أمرهم شيء فعليه أن يتوكل على ربه ويرجع أمرهم إليه كما قال: فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى إلخ ، فكأنه قيل: ومن ضل فقل له قد سمعت أن ربي لم يجعل علي إلا الإنذار فلست بمسئول عن ضلال من ضل.

قوله تعالى: وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون معطوف على قوله: فقل إنما أنا من المنذرين وفيه انعطاف إلى ما ذكره بعد أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتوكل عليه في أمرهم من أنه سيجعل للمشركين عاقبة سوء

ويقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه ويريهم من آياته ما يضطرون إلى تصديقه ثم يجزيهم بأعمالهم.

ومحصل المعنى: وقل الثناء الجميل لله تعالى فيما يجريه في ملكه حيث دعا الناس إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وهدى الذين آمنوا بآياته وأسلموا له وأما المكذبون فأمات قلوبهم وأصم آذانهم وأعمى أبصارهم فضلوا وكذبوا بآياته.

وقوله: سيريكم آياته فتعرفونها إشارة إلى ما تقدم من قوله: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض وما بعده ، وظهور قوله: آياته في العموم دليل على شموله لجميع الآيات التي تضطرهم إلى قبول الحق مما يظهر لهم قبل قيام الساعة وبعده.

وقوله: وما ربك بغافل عما تعملون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمنزلة التعليل لما تقدمه أي إن أعمالكم معاشر العباد بعين ربك فلا يفوته شيء مما تقتضيه الحكمة قبال أعمالكم من الدعوة والهداية والإضلال وإراءة الآيات ثم جزاء المحسنين منكم والمسيئين يوم القيامة.

وقرىء عما يعملون بياء الغيبة ولعلها أرجح ومفادها تهديد المكذبين وفي قوله: ربك بإضافة الرب إلى الكاف تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقوية لجانبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت