و المعنى: أن الظرف كان ظرف علو فرعون ، وتفريقه بين الناس واستضعافه لبني إسرائيل استضعافا يبيدهم ويفنيهم والحال أنا نريد أن ننعم على هؤلاء الذين استضعفوا من كل وجه نعمة تثقلهم وذلك بأن نجعلهم أئمة يقتدى بهم فيكونوا متبوعين بعد ما كانوا تابعين ، ونجعلهم الوارثين لها بعد ما كانت بيد غيرهم ونمكن لهم في الأرض بأن نجعل لهم مكانا يستقرون فيه ويملكونه بعد ما لم يكن لهم من المكان إلا ما أراد غيرهم أن يبوأهم فيه ويقرهم عليه ، ونري فرعون وهو ملك مصر وهامان وهو وزيره وجنودهما منهم أي من هؤلاء الذين استضعفوا ما كانوا يحذرون وهو أن يظهروا عليهم فيذهبوا بملكهم ومالهم وسنتهم كما قالوا في موسى وأخيه لما أرسلا إليهم:"يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى:"طه: 63.
والآية تصور ما في باطن هذا الظرف الهائل الذي قضى على بني إسرائيل أن لا يعيش منهم متنفس ولا يبقى منهم نافخ نار وقد أحاطت بهم قدرة فرعون الطاغية وملأ أقطار وجودهم رعبه وهو يستضعفهم حتى يقضي عليهم بالبيد هذا ظاهر الأمر وفي باطنه الإرادة الإلهية تعلقت بأن تنجيهم منهم وتحول ثقل النعمة من آل فرعون الأقوياء العالين إلى بني إسرائيل الأذلاء المستضعفين وتبدل من الأسباب ما كان على بني إسرائيل لهم وما كان لآل فرعون عليهم والله يحكم لا معقب لحكمه.
قوله تعالى:"و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم"إلى آخر الآية ، الإيحاء هو التكليم الخفي ويستعمل في القرآن في تكليمه تعالى بعض خلقه بنحو الإلهام والإلقاء في القلب كما في قوله:"بأن ربك أوحى لها": الزلزال: 5 ، وقوله:"و أوحى ربك إلى النحل": النحل: 68 ، وقوله في أم موسى:"و أوحينا إلى أم موسى"الآية أو بنحو آخر كما في الأنبياء والرسل ، وفي غيره تعالى كما في قوله:"إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم": الأنعام: 121 ، والإلقاء الطرح ، واليم البحر والنهر الكبير.
وقوله:"و أوحينا إلى أم موسى"في الكلام إيجاز بالحذف والتقدير وحبلت أم موسى به - والحال هذه الحال من الشدة والحدة - ووضعته وأوحينا إليها إلخ.
والمعنى: وقلنا بنوع من الإلهام لأم موسى لما وضعته: أرضعيه ما دمت لا تخافين عليه من قبل فرعون فإذا خفت عليه - أن يطلع عليه آل فرعون فيأخذوه ويقتلوه - فألقيه في البحر وهو النيل على ما وردت به الرواية ولا تخافي عليه القتل ولا تحزني لفقده ومفارقته إياك إنا رادوه إليك بعد ذلك وجاعلوه من المرسلين فيكون رسولا إلى آل فرعون وبني إسرائيل.
فقوله:"إنا رادوه إليك"تعليل للنهي في قوله:"و لا تحزني"كما يشهد به أيضا قوله بعد:"فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن"والفرق بين الخوف والحزن بحسب المورد أن الخوف إنما يكون في مكروه محتمل الوقوع والحزن في مكروه قطعي الوقوف.
قوله تعالى:"فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين"الالتقاط أصابه الشيء وأخذه من غير طلب ، ومنه اللقطة واللام في قوله:"ليكون لهم عدوا وحزنا"للعاقبة - على ما قيل - والحزن بفتحتين والحزن بالضم فالسكون بمعنى واحد كالسقم والسقم ، والمراد بالحزن سبب الحزن فإطلاق الحزن عليه مبالغة في سببيته لحزنهم.
والخاطئين اسم فاعل من خطىء يخطأ خطأ كعلم يعلم علما كما أن المخطىء اسم فاعل من أخطأ يخطىء إخطاء ، والفرق بين الخاطىء والمخطىء على ما ذكره الراغب أن الخاطىء يطلق على من أراد فعلا لا يحسنه ففعله قال تعالى:"إن قتلهم كان خطأ كبيرا"، وقال:"و إن كنا لخاطئين"، والمخطىء يستعمل فيمن أراد فعلا يحسنه فوقع منه غيره واسم مصدره الخطأ بفتحتين ، قال تعالى:"و من قتل مؤمنا خطأ": النساء: 92 ، والمعنى الجامع هو العدول عن الجهة.
انتهى ملخصا.
فقوله:"إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين"أي فيما كانوا يفعلونه في أبناء بني إسرائيل وموسى تحذرا من انهدام ملكهم وذهاب سلطانهم بيدهم إرادة لتغيير المقادير عن مجاريها فقتلوا الجم الغفير من الأبناء ولا شأن لهم في ذلك وتركوا موسى حيث التقطوه وربوه في حجورهم وكان هو الذي بيده انقراض دولتهم وزوال ملكهم.