و البقعة المباركة قطعة خاصة من الشاطىء الأيمن في الوادي كانت فيه الشجرة التي نودي منها ، ومباركتها لتشرفها بالتقريب والتكليم الإلهي وقد أمر بخلع نعليه فيها لتقدسها كما قال تعالى في القصة من سورة طه:"فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى": طه: 12.
ولا ريب في دلالة الآية على أن الشجرة كانت مبدءا للنداء والتكليم بوجه غير أن الكلام وهو كلام الله سبحانه لم يكن قائما بها كقيام الكلام بالمتكلم منا فلم تكن إلا حجابا احتجب سبحانه به فكلمه من ورائه بما يليق بساحة قدسه من معنى الاحتجاب وهو على كل شيء محيط ، قال تعالى:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء": الشورى: 51.
ومن هنا يظهر ضعف ما قيل: إن الشجرة كانت محل الكلام لأن الكلام عرض يحتاج إلى محل يقوم به.
وكذا ما قيل: إن هذا التكليم أعلى منازل الأنبياء (عليهم السلام) أن يسمعوا كلام الله سبحانه من غير واسطة ومبلغ.
وذلك أنه كان كلاما من وراء حجاب والحجاب واسطة وظاهر آية الشورى المذكورة آنفا أن أعلى التكليم هو الوحي من غير واسطة حجاب أو رسول مبلغ.
وقوله:"أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين"أن فيه تفسيرية ، وفيه إنباء عن الذات المتعالية المسماة باسم الجلالة الموصوفة بوحدانية الربوبية النافية لمطلق الشرك إذ كونه ربا للعالمين جميعا - والرب هو المالك المدبر لملكه الذي يستحق العبادة من مملوكيه - لا يدع شيئا من العالمين يكون مربوبا لغيره حتى يكون هناك رب غيره وإله معبود سواه.
ففي الآية إجمال ما فصله في سورة طه في هذا الفصل من النداء من الإشارة إلى الأصول الثلاثة أعني التوحيد والنبوة والمعاد إذ قال:"إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية"الآيات: طه: 14 - 16.
قوله تعالى:"و أن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى: مدبرا ولم يعقب"تقدم تفسيره في سورة النمل.
قوله تعالى:"يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين"بتقدير القول أي قيل له: أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ، وفي هذا الخطاب تأمين له ، وبه يظهر معنى قوله في هذا الموضع من القصة في سورة النمل:"يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون": النمل: 10 وأنه تأمين معناه أنك مرسل والمرسلون آمنون لدي وليس من العتاب والتوبيخ في شيء.
قوله تعالى:"اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء"المراد بسلوك يده في جيبه إدخاله فيه ، والمراد بالسوء - على ما قيل - البرص.
والظاهر أن في هذا التقييد تعريضا لما في التوراة الحاضرة في هذا الموضع من القصة: ثم قال له الرب أيضا: أدخل يدك في عبك فأدخل يده في عبه ثم أخرجها وإذا يده برصاء مثل الثلج.
قوله تعالى:"و اضمم إليك جناحك من الرهب"إلى آخر الآية ، الرهب بالفتح فالسكون وبفتحتين وبالضم فالسكون الخوف ، والجناح قيل: المراد به اليد وقيل: العضد.
قيل: المراد بضم الجناح إليه من الرهب أن يجمع يديه على صدره إذا عرضه الخوف عند مشاهدة انقلاب العصا حية ليذهب ما في قلبه من الخوف.
وقيل: إنه لما ألقى العصا وصارت حية بسط يديه كالمتقي وهما جناحاه فقيل له: اضمم إليك جناحك أي لا تبسط يديك خوف الحية فإنك آمن من ضررها.
والوجهان - كما ترى - مبنيان على كون الجملة أعني قوله:"و اضمم"إلخ ، من تتمة قوله:"أقبل ولا تخف إنك من الآمنين"وهذا لا يلائم تخلل قوله:"اسلك يدك في جيبك"إلخ ، بين الجملتين بالفصل من غير عطف.
وقيل: الجملة كناية عن الأمر بالعزم على ما أراده الله سبحانه منه والحث على الجد في أمر الرسالة لئلا يمنعه ما يغشاه من الخوف في بعض الأحوال.
ولا يبعد أن يكون المراد بالجملة الأمر بأن يأخذ لنفسه سيماء الخاشع المتواضع فإن من دأب المتكبر المعجب بنفسه أن يفرج بين عضديه وجنبيه كالمتمطي في مشيته فيكون في معنى ما أمر الله به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من التواضع للمؤمنين بقوله:"و اخفض جناحك للمؤمنين": الحجر: 88 على بعض المعاني.
قوله تعالى:"قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون"إشارة إلى قتله القبطي بالوكز وكان يخاف أن يقتلوه قصاصا.