فهرس الكتاب

الصفحة 3259 من 4314

قوله تعالى:"و أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون"قال في المجمع: ، يقال: فلان ردء لفلان إذا كان ينصره ويشد ظهره.

انتهى.

وقوله:"إني أخاف أن يكذبون"تعليل لسؤاله إرسال هارون معه ، والسياق يدل على أنه كان يخاف أن يكذبوه فيغضب ولا يستطيع بيان حجته للكنة كانت في لسانه لا أنه سأل إرساله لئلا يكذبوه فإن من يكذبه لا يبالي أن يكذب هارون معه ومن الدليل على ذلك ما وقع في سورة الشعراء في هذا الموضع من القصة من قوله:"قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون": الشعراء: 13.

فمحصل المعنى: أن أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معينا لي يبين صدقي في دعواي إذا خاصموني إني أخاف أن يكذبون فلا أستطيع بيان صدق دعواي.

قوله تعالى:"قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون"شد عضده بأخيه كناية عن تقويته به ، وعدم الوصول إليهما كناية عن عدم التسلط عليهما بالقتل ونحوه كأن الطائفتين يتسابقان وإحداهما متقدمة دائما والأخرى لا تدركهم بالوصول إليهم فضلا أن يسبقوهم.

والمعنى: قال سنقويك ونعينك بأخيك هارون ونجعل لكما سلطة وغلبة عليهم فلا يتسلطون عليكما بسبب آياتنا التي نظهركما بها.

ثم قال:"أنتما ومن اتبعكما الغالبون"وهو بيان لقوله:"و نجعل لكما سلطانا"إلخ ، يوضح أن هذا السلطان يشملهما ومن اتبعهما من الناس.

وقد ظهر بذلك أن السلطان بمعنى القهر والغلبة وقيل: هو بمعنى الحجة والأولى حينئذ أن يكون قوله:"بآياتنا"متعلقا بقوله:"الغالبون"لا بقوله:"فلا يصلون إليكما"وقد ذكروا في الآية وجوها أخر لا جدوى في التعرض لها.

قوله تعالى:"فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى"إلخ ، أي سحر موصوف بأنه مفترى والمفترى اسم مفعول بمعنى المختلق أو مصدر ميمي وصف به السحر مبالغة.

والإشارة في قوله:"ما هذا إلا سحر مفترى"إلى ما جاء به من الآيات أي ليس ما جاء به من الخوارق إلا سحرا مختلقا افتعله فنسبه إلى الله كذبا.

والإشارة في قوله:"و ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين"إلى ما جاء به من الدعوة وأقام عليها حجة الآيات ، وأما احتمال أن يراد بها الإشارة إلى الآيات فلا يلائمه تكرار اسم الإشارة على أنهم كانوا يدعون أنهم سيأتون بمثلها كما حكى الله عن فرعون في قوله:"فلنأتينك بسحر مثله": طه: 58 ، على أن عدم معهودية السحر وعدم مسبوقيته بالمثل لا ينفعهم شيئا حتى يدعوه.

فالمعنى: أن ما جاء به موسى دين مبتدع لم ينقل عن آبائنا الأولين أنهم اتخذوه في وقت من الأوقات ، ويناسبه ما حكي في الآية التالية من قول موسى:"ربي أعلم بمن جاء بالهدى"إلخ.

قوله تعالى:"و قال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار"إلخ ، مقتضى السياق كونه جوابا من موسى عن قولهم:"و ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين"في رد دعوى موسى ، وهو جواب مبني على التحدي كأنه يقول: إن ربي - وهو رب العالمين له الخلق والأمر - هو أعلم منكم بمن جاء بالهدى ومن تكون له عاقبة الدار وهو الذي أرسلني رسولا جائيا بالهدى - وهو دين التوحيد - ووعدني أن من أخذ بديني فله عاقبة الدار ، والحجة على ذلك الآيات البينات التي آتانيها من عنده.

فقوله:"ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده"يريد به نفسه والمراد بالهدى الدعوة الدينية التي جاء بها.

وقوله:"و من تكون له عاقبة الدار"المراد بعاقبة الدار إما الجنة التي هي الدار الآخرة التي يسكنها السعداء كما قال تعالى حكاية عنهم:"و أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء": الزمر: 74 ، وإما عاقبة الدار الدنيا كما في قوله:"قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين": الأعراف: 128 ، وإما الأعم الشامل للدنيا والآخرة ، والثالث أحسن الوجوه ثم الثاني كما يؤيده تعليله بقوله:"إنه لا يفلح الظالمون".

وفي قوله:"إنه لا يفلح الظالمون"تعريض لفرعون وقومه وفيه نفي أن تكون لهم عاقبة الدار فإنهم بنوا سنة الحياة على الظلم وفيه انحراف عن العدالة الاجتماعية التي تهدي إليها فطرة الإنسان الموافقة للنظام الكوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت