قال بعض المفسرين: والوجه في عطف قوله:"و قال موسى ربي أعلم"إلخ ، على قولهم:"ما هذا إلا سحر مفترى"إلخ حكاية القولين ليوازن السامع بينهما ليميز صحيحهما من الفاسد.
انتهى.
وما قدمناه من كون قول موسى (عليه السلام) مسوقا لرد قولهم أوفق للسياق.
قوله تعالى:"و قال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري"إلى آخر الآية ، فيه تعريض لموسى بما جاء به من الدعوة الحقة المؤيدة بالآيات المعجزة يريد أنه لم يتبين له حقية ما يدعو إليه موسى ولا كون ما أتى به من الخوارق آيات معجزة من عند الله وأنه ما علم لهم من إله غيره.
فقوله:"ما علمت لكم من إله غيري"سوق للكلام في صورة الإنصاف ليقع في قلوب الملأ موقع القبول كما هو ظاهر قوله المحكي في موضع آخر:"ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد": المؤمن: 29.
فمحصل المعنى: أنه ظهر للملإ أنه لم يتضح له من دعوة موسى وآياته أن هناك إلها هو رب العالمين ولا حصل له علم بأن هناك إلها غيره ثم أمر هامان أن يبني له صرحا لعله يطلع إلى إله موسى.
وبذلك يظهر أن قوله:"ما علمت لكم من إله غيري"من قبيل قصر القلب فقد كان موسى (عليه السلام) يثبت الألوهية لله سبحانه وينفيها عن غيره وهو ينفيها عنه تعالى ويثبتها لنفسه ، وأما سائر الآلهة التي كان يعبدها هو وقومه فلا تعرض لها.
وقوله:"فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا"المراد بالإيقاد على الطين تأجيج النار عليه لصنعة الأجر المستعمل في الأبنية ، والصرح البناء العالي المكشوف من صرح الشيء إذا ظهر ففي الجملة أمر باتخاذ الأجر وبناء قصر عال منه.
وقوله:"لعلي أطلع إلى إله موسى"نسب الإله إلى موسى بعناية أنه هو الذي يدعو إليه ، والكلام من وضع النتيجة موضع المقدمة والتقدير: اجعل لي صرحا أصعد إلى أعلى درجاته فأنظر إلى السماء لعلي أطلع إلى إله موسى كأنه كان يرى أنه تعالى جسم ساكن في بعض طبقات الجو أو الأفلاك فكان يرجو إذا نظر من أعلى الصرح أن يطلع إليه أو كان هذا القول من قبيل التعمية على الناس وإضلالهم.
ويمكن أن يكون المراد أن يبني له رصدا يترصد الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول أو حقية ما يصفه موسى (عليه السلام) ، ويؤيد هذا قوله على ما حكى في موضع آخر:"يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا": المؤمن: 37.
وقوله:"و إني لأظنه من الكاذبين"ترق منه من الجهل الذي يدل عليه قوله:"ما علمت لكم من إله غيري"إلى الظن بعدم الوجود وقد كان كاذبا في قوله هذا ولا يقوله إلا تمويها وتعمية على الناس وقد خاطبه موسى بقوله:"لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض": إسراء: 102.
وذكر بعضهم أن قوله:"ما علمت لكم من إله غيري"من قبيل نفي المعلوم بنفي العلم فيما لو كان لبان فيكون نظير قوله:"قل أ تنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض": يونس: 18 ، وأنت خبير بأنه لا يلائم ذيل الآية.
قوله تعالى:"و استكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون"أي كانت حالهم حال من يترجح عنده عدم الرجوع وذلك أنهم كانوا موقنين في أنفسهم كما قال تعالى:"و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا".
قوله تعالى:"فأخذناه وجنوده"إلخ النبذ الطرح ، واليم البحر والباقي ظاهر.
وفي الآية من الاستهانة بأمرهم وتهويل العذاب الواقع بهم ما لا يخفى.
قوله تعالى:"و جعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون"الدعوة إلى النار هي الدعوة إلى ما يستوجب النار من الكفر والمعاصي لكونها هي التي تتصور لهم يوم القيامة نارا يعذبون فيها أو المراد بالنار ما يستوجبها مجازا من باب إطلاق المسبب وإرادة سببه.
ومعنى جعلهم أئمة يدعون إلى النار ، تصييرهم سابقين في الضلال يقتدي بهم اللاحقون ولا ضير فيه لكونه بعنوان المجازاة على سبقهم في الكفر والجحود وليس من الإضلال الابتدائي في شيء.
وقيل: المراد بجعلهم أئمة يدعون إلى النار تسميتهم بذلك على حد قوله:"و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا": الزخرف: 19.
وفيه أن الآية التالية على ما سيجيء من معناها لا تلائمه.
على أن كون الجعل في الآية المستشهد بها بمعنى التسمية غير مسلم.