التخطف الاختلاس بسرعة ، وقيل الخطف والتخطف الاستلاب من كل وجه ، وكان تخطفهم من أرضهم استعارة أريد به القتل والسبي ونهب الأموال كأنهم وما يتعلق بهم من أهل ومال يؤخذون فتخلو منهم أرضهم ، والمراد بالأرض أرض مكة والحرم بدليل قوله بعد:"أ ولم نمكن لهم حرما آمنا"والقائل بعض مشركي مكة.
والجملة مسوقة للاعتذار عن الإيمان بأنهم إن آمنوا تخطفتهم العرب من أرضهم أرض مكة لأنهم مشركون لا يرضون بإيمانهم ورفض أوثانهم فهو من قبيل إبداء المانع ففيه اعتراف بحقية أصل الدعوة وأن الكتاب بما يشتمل عليه حق لكن خطر التخطف مانع من قبوله والإيمان به ، ولهذا عبر بقوله:"إن نتبع الهدى معك"ولم يقل: إن نتبع كتابك أو دينك أو ما يقرب من ذلك.
وقوله:"أ ولم نمكن لهم حرما آمنا"قيل: التمكين مضمن معنى الجعل والمعنى أ ولم نجعل لهم حرما آمنا ممكنين إياهم ، وقيل: حرما منصوبا على الظرفية والمعنى: أ ولم نمكن لهم في حرم ، و"آمنا"صفة"حرما"أي حرما ذا أمن ، وعد الحرم ذا أمن - والمتلبس بالأمن أهله - من المجاز في النسبة ، والجملة معطوفة على محذوف والتقدير أ ولم نعصمهم ونجعل لهم حرما آمنا ممكنين إياهم.
وهذا جواب أول منه تعالى لقولهم:"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا"ومحصله: أنا مكناهم في أرض جعلناها حرما ذا أمن تحترمه العرب فلا موجب لخوفهم أن يتخطفوا منها أن آمنوا.
وقوله:"يجبى إليه ثمرات كل شيء"الجباية الجمع ، والكل للتكثير لا للعموم لعدم إرادة العموم قطعا ، والمعنى: يجمع إلى الحرم ثمرات كثير من الأشياء ، والجملة صفة لحرما جيء بها لما عسى أن يتوهم أنهم يتضررون إن آمنوا بانقطاع الميرة.
وقوله:"رزقا من لدنا"مفعول مطلق أو حال من ثمرات ، وقوله:"و لكن أكثرهم لا يعلمون"استدراك عن جميع ما تقدم أي إنا نحن حفظناهم في أمن ورزقناهم من كل الثمرات لكن أكثرهم جاهلون بذلك فيحسبون أن الذي يحفظهم من تخطف العرب هو شركهم وعبادتهم الأصنام.
قوله تعالى:"و كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها"إلى آخر الآية البطر الطغيان عند النعمة ، و"معيشتها"منصوب بنزع الخافض أي وكم أهلكنا من قرية طغت في معيشتها.
وقوله:"فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا"أي إن مساكنهم الخربة الخاوية على عروشها مشهودة لكم نصب أعينكم باقية على خرابها لم تعمر ولم تسكن بعد هلاكهم إلا قليلا منها.
وبذلك يظهر أن الأنسب كون"إلا قليلا"استثناء من"مساكنهم"لا من قوله:"من بعدهم"بأن يكون المعنى لم تسكن من بعدهم إلا زمانا قليلا إذ لا يسكنها إلا المارة يوما أو بعض يوم في الأسفار.
وقوله:"و كنا نحن الوارثين"حيث ملكوها ثم تركوها فلم يخلفهم غيرنا فنحن ورثناهم مساكنهم ، وفي الجملة أعني قوله:"كنا نحن الوارثين"عناية لطيفة فإنه تعالى هو المالك لكل شيء ملكا حقيقيا مطلقا فهو المالك لمساكنهم وقد ملكها إياهم بتسليطهم عليها ثم نزعها من أيديهم بإهلاكهم وبقيت بعدهم لا مالك لها إلا هو فسمى نفسه وارثا لهم بعناية أنه الباقي بعدهم وهو المالك لما كان بأيديهم كان ملكهم الاعتباري انتقل إليه ولا انتقال هناك بالحقيقة وإنما ظهر ملكه الحقيقي بزوال ملكهم الاعتباري.
والآية جواب ثان منه تعالى لقولهم:"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا"ومحصله أن مجرد عدم تخطف العرب لكم من أرضكم لا يضمن لكم البقاء ولا يحفظ لكم أرضكم والتنعم فيها كما تشاءون فكم من قرية بالغة في التنعم ذات أشر وبطر أهلكنا أهلها وبقيت مساكنهم خالية غير مسكونة لا وارث لها إلا الله.
قوله تعالى:"و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا"أم القرى هي أصلها وكبيرتها التي ترجع إليها وفي الآية بيان السنة الإلهية في عذاب القرى بالاستئصال وهو أن عذاب الاستئصال لا يقع منه تعالى إلا بعد إتمام الحجة عليهم بإرسال رسول يتلو عليهم آيات الله ، وإلا بعد كون المعذبين ظالمين بالكفر بآيات الله وتكذيب رسوله.
وفي تعقيب الآية السابقة بهذه الآية الشارحة لسنته تعالى في إهلاك القرى تخويف لأهل مكة المشركين بالإيماء إلى أنهم لو أصروا على كفرهم كانوا في معرض نزول العذاب لأن الله قد بعث في أم قراهم وهي مكة رسولا يتلو عليهم آياته وهم مع ذلك ظالمون بتكذيب رسولهم.