فهرس الكتاب

الصفحة 3273 من 4314

و بذلك يظهر النكتة في الالتفات من التكلم بالغير إلى الغيبة في قوله:"و ما كان ربك مهلك القرى"فإن في الإيماء إلى حصول شرائط العذاب فيهم لو كذبوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تقوية لنفسه وتأكيدا لحجته ، وأما العدول بعده إلى سياق التكلم بالغير في قوله:"و ما كنا مهلكي القرى"فهو رجوع إلى السياق السابق بعد قضاء الوطر.

قوله تعالى:"و ما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا"إلخ الإيتاء: الإعطاء و"من شيء"بيان لما لإفادة العموم أي كل شيء أوتيتموه ، والمتاع ما يتمتع به والزينة ما ينضم إلى الشيء ليفيده جمالا وحسنا ، والحياة الدنيا الحياة المؤجلة المقطوعة التي هي أقرب الحياتين منا وتقابلها الحياة الآخرة التي هي خالدة مؤبدة ، والمراد بما عند الله الحياة الآخرة السعيدة التي عند الله وجواره ولذا عد خيرا وأبقى.

والمعنى: أن جميع النعم الدنيوية التي أعطاكم الله إياها متاع وزينة زينت بها هذه الحياة الدنيا التي هي أقرب الحياتين منكم وهي بائدة فانية وما عند الله من ثوابه في الدار الآخرة المترتب على اتباع الهدى والإيمان بآيات الله خير وأبقى فينبغي أن تؤثروه على متاع الدنيا وزينتها أ فلا تعقلون.

والآية جواب ثالث عن قولهم:"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا"محصله لنسلم أنكم إن اتبعتم الهدى تخطفكم العرب من أرضكم لكن الذي تفقدونه هو متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية فما بالكم تؤثرونه على ما عند الله من ثواب اتباع الهدى وسعادة الحياة الآخرة وهي خير وأبقى.

قوله تعالى:"أ فمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين"الآية إلى تمام سبع آيات إيضاح لمضمون الآية السابقة - وهو أن إيثار اتباع الهدى أولى من تركه والتمتع بمتاع الحياة الدنيا - ببيان آخر فيه مقايسة حال من اتبع الهدى وما يلقاه من الوعد الحسن الذي وعده الله ، من حال من لم يتبعه واقتصر على التمتع من متاع الحياة الدنيا وسيستقبله يوم القيامة الإحضار وتبري آلهته منه وعدم استجابتهم لدعوته ومشاهدة العذاب والسؤال عن إجابتهم الرسل.

فقوله:"أ فمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه"الاستفهام إنكاري ، والوعد الحسن هو وعده تعالى بالمغفرة والجنة كما قال تعالى:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم": المائدة: 9 ، ولا يكذب وعده تعالى قال:"ألا إن وعد الله حق:"يونس: 55.

وقوله:"كمن متعناه متاع الحياة الدنيا"أي وهو محروم من ذلك الوعد الحسن لاقتصاره على التمتع بمتاعها ، والدليل على هذا التقييد المقابلة بين الوعد والتمتيع.

وقوله:"ثم هو يوم القيامة من المحضرين"أي للعذاب ، أو للسؤال والمؤاخذة و"ثم"للترتيب الكلامي وإتيان الجملة اسمية كما فيما يقابلها من قوله:"فهو لاقيه"للدلالة على التحقق.

قوله تعالى:"و يوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون"الشركاء هم الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا وكونهم شركاء عندهم لكونهم يعطونهم أو ينسبون إليهم بعض ما هو من شئونه تعالى كالعبادة والتدبير ، وفي قوله:"يناديهم"إشارة إلى بعدهم وخذلانهم يومئذ.

قوله تعالى:"قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا"آلهتهم الذين يرونهم شركاء لله سبحانه صنفان صنف منهم عباد لله مكرمون كالملائكة المقربين وعيسى بن مريم (عليهما السلام) ، وصنف منهم كعتاة الجن ومدعي الألوهية من الإنس كفرعون ونمرود وغيرهما وقد ألحق الله سبحانه بهم كل مطاع في باطل كإبليس وقرناء الشياطين وأئمة الضلال كما قال: أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان - إلى أن قال - ولقد أضل منكم جبلا كثيرا": يس: 62 ، وقال:"أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه:"الجاثية: 23 ، وقال:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله": التوبة: 31."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت