و أما قوله:"و له الحكم"فلأنه سبحانه هو المالك على الإطلاق لا يملك غيره إلا ما ملكه إياه وهو المالك لما ملكه وهو سبحانه مالك في مرحلة التشريع والاعتبار كما أنه مالك في مرحلة التكوين والحقيقة ، ومن آثار ملكه أن يقضي على عبيده ومملوكيه أن لا يعبدوا إلا إياه.
وأما قوله:"و إليه ترجعون"فلأن الرجوع للحساب والجزاء وإذ كان هو المرجع فهو المحاسب المجازي وإذ كان هو المحاسب المجازي وحده فهو الذي يجب أن يعبد وحده وله دين يجب أن يتعبد به وحده.
قوله تعالى:"قل أ رأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة"إلى آخر الآية ، السرمد على فعلل بمعنى الدائم ، وقيل: هو من السرد والميم زائدة ومعناه المتتابع المطرد ، وتقييده بيوم القيامة إذ لا ليل بعد يوم القيامة.
وقوله:"من إله غير الله يأتيكم بضياء"أي من الإله الذي ينقض حكمه تعالى ويأتيكم بضياء تستضيئون به وتسعون في طلب المعاش ، هذا ما يشهد به السياق ، ويجري نظيره في قوله الآتي:"من إله غير الله يأتيكم بليل"إلخ.
وبذلك يندفع ما استشكل على الآيتين من أنه لو فرض تحقق جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لم يتصور معه الإتيان بضياء أصلا لأن الذي يأتي به إما هو الله تعالى وإما هو غيره أما غيره فعجزه عن ذلك ظاهر ، وأما الله تعالى فإتيانه به يستلزم اجتماع الليل والنهار وهو محال والمحال لا يتعلق به القدرة ولا الإرادة ، وكذا الكلام في جانب النهار.
وربما أجيب عنه بأن المراد بقوله:"إن جعل الله عليكم"إن أراد الله أن يجعل عليكم.
وهو كما ترى.
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: من إله غير الله يأتيكم بنهار ، على ما يقتضيه سياق المقابلة بين الليل والنهار في الكلام لكن العدول إلى ذكر الضياء بدل النهار من قبيل الإلزام في الحجة بأهون ما يفرض وأيسره ليظهر بطلان مدعى الخصم أتم الظهور كأنه قيل: لو كان غيره تعالى إله يدبر أمر العالم فإن جعل الله الليل سرمدا فليقدر أن يأتي بالنهار ، تنزلنا عن ذلك فليقدر أن يأتي بضياء ما تستضيئون به لكن لا قدرة لشيء على ذلك إن القدرة كلها لله سبحانه.
ولا يجري نظير هذا الوجه في الآية التالية في الليل حتى يصح أن يقال مثلا: من إله غير الله يأتيكم بظلمة لأن المأتي به إن كان ظلمة ما لم تكف للسكن وإن كان ظلمة ممتدة كانت هي الليل.
وتنكير"ضياء"يؤيد ما ذكر من الوجه ، وقد أوردوا وجوها أخرى في ذلك لا تخلو من تعسف.
وقوله:"أ فلا تسمعون"أي سمع تفهم وتفكر حتى تتفكروا فتفهموا أن لا إله غيره تعالى.
قوله تعالى:"قل أ رأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه"أي تستريحون فيه مما أصابكم من تعب السعي للمعاش.
وقوله:"أ فلا تبصرون"أي إبصار تفهم وتذكر وإذ لم يبصروا ولم يسمعوا فهم عمي صم ، ومن اللطيف تذييل الآيتين بقوله:"أ فلا تسمعون""أ فلا تبصرون"ولعل آية النهار خص بالإبصار لمناسبة ضوء النهار الإبصار وبقي السمع لآية الليل وهو لا يخلو من مناسبة معه.
قوله تعالى:"و من رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"الآية بمنزلة نتيجة الحجة المذكورة في الآيتين السابقتين سيقت بعد إبطال دعوى الخصم في صورة الإخبار الابتدائي لثبوته من غير معارض.
وقوله:"لتسكنوا فيه"اللام للتعليل والضمير لليل ، أي جعل لكم الليل لتستريحوا فيه ، وقوله:"لتبتغوا من فضله"أي وجعل لكم النهار لتطلبوا من رزقه الذي هو عطيته فرجوع"لتسكنوا"و"لتبتغوا"إلى الليل والنهار بطريق اللف والنشر المرتب ، وقوله:"و لعلكم تشكرون"راجع إليهما جميعا.
وقوله:"و من رحمته جعل لكم"في معنى قولنا: جعل لكم وذلك رحمة منه وفيه إشارة إلى أن التكوين كالسكون والابتغاء والتشريع وهو هدايتهم إلى الشكر من آثار صفة رحمته تعالى فافهم ذلك.
قوله تعالى:"و يوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون"تقدم تفسيره وقد كررت الآية لحاجة مضمون الآية التالية إليها.