فالإنسان مختار في نفسه حر بالطبع إلا أن يملك غيره من نفسه شيئا فيسلب بنفسه عن نفسه الحرية كما أن الإنسان الاجتماعي يسلب عن نفسه الحرية بالنسبة إلى موارد السنن والقوانين الجارية في مجتمعه بدخوله في المجتمع وإمضائه ما يجري فيه من سنن وقوانين سواء كانت دينية أو اجتماعية ، وكما أن المتقاتلين يملك كل منهما الآخر من نفسه ما يغلب عليه فللغالب منهما أن يفعل بأسيره ما يشاء ، وكما أن الأجير إذا ابتاع عمله وآجر نفسه فليس بحر في عمله إذ المملوكية لا تجامع الحرية.
فالإنسان بالنسبة إلى سائر بني نوعه حر في عمله مختار في فعله إلا أن يسلب باختيار منه شيئا من اختياره فيملك غيره ، والله سبحانه يملك الإنسان في نفسه وفي فعله الصادر منه ملكا مطلقا بالملك التكويني وبالملك الوضعي الاعتباري فلا خيرة له ولا حرية بالنسبة إلى ما يريده منه تشريعا بأمر أو نهي تشريعيين كما لا خيرة ولا حرية له بالنسبة إلى ما يشاؤه بمشيته التكوينية.
وهذا هو المراد بقوله:"ما كان لهم الخيرة"أي لا اختيار لهم إذا اختار الله سبحانه لهم شيئا من فعل أو ترك حتى يختاروا لأنفسهم ما يشاءون وإن خالف ما اختاره الله والآية قريبة المعنى من قوله تعالى:"و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم": الأحزاب: 36 ، وللقوم في تفسير الآية أقاويل مختلفة غير مجدية أغمضنا عنها من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى المطولات.
وقوله:"سبحان الله وتعالى عما يشركون"أي عن شركهم باختيارهم أصناما آلهة يعبدونها من دون الله.
وهاهنا معنى آخر أدق أي تنزه وتعالى عن شركهم بادعاء أن لهم خيرة بالنسبة إلى ما يختاره تعالى بقبوله أو رده فإن الخيرة بهذا المعنى لا تتم إلا بدعوى الاستقلال في الوجود والاستغناء عنه تعالى ولا تتم إلا مع الاشتراك معه تعالى في صفة الألوهية.
وفي قوله:"و ربك يخلق"التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة والنكتة فيه تأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقويته وتطييب نفسه بإضافة صفة الرب إليه فإن معناه أن ما أرسله به من الحكم ماض غير مردود فلا خيرة لهم في قبوله ورده ، ولأنهم لا يقبلون ربوبيته.
وفي قوله:"سبحان الله"وضع الظاهر موضع المضمر والنكتة فيه إرجاع الأمر إلى الذات المتعالية التي هي المبدأ للتنزه والتعالي عن كل ما لا يليق بساحة قدسه فإنه تعالى يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقص لأنه هو الله عز اسمه.
قوله تعالى:"و ربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون"الإكنان الإخفاء والإعلان الإظهار ، ولكون الصدر يعد مخزنا للأسرار نسب الإكنان إلى الصدور والإعلان إليهم أنفسهم.
ولعل تعقيب الآية السابقة بهذه الآية للإشارة إلى أنه تعالى إنما اختار لهم ما اختار لعلمه بما في ظاهرهم وباطنهم من أوساخ الشرك والمعصية فطهرهم بذلك بحكمته.
قوله تعالى:"و هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون"ظاهر السياق أن الضمير في صدر الآية راجع إلى"ربك"في الآية السابقة ، والظاهر على هذا أن اللام في اسم الجلالة للتلميح إلى معنى الوصف ، وقوله:"لا إله إلا هو"تأكيد للحصر المستفاد من قوله:"هو الله"كأنه قيل: وهو الإله - المتصف وحده بالألوهية - لا إله إلا هو.
وعلى ذلك فالآية كالمتمم لبيان الآية السابقة كأنه قيل: هو سبحانه مختار له أن يختار عليهم أن يعبدوه وحده ، وهو يعلم ظاهرهم وباطنهم فله أن يقضي عليهم أن يعبدوه وحده وهو الإله المستحق للعبادة وحده فيجب عليهم أن يعبدوه وحده.
ويكون ما في ذيل الآية من قوله:"له الحمد"إلخ ، وجوها ثلاثة توجه كونه تعالى معبودا مستحقا للعبادة وحده.
أما قوله:"له الحمد في الأولى والآخرة"فلأن كل كمال موجود في الدنيا والآخرة نعمة نازلة منه تعالى يستحق بها جميل الثناء ، وكل جميل من هذه النعم الموهوبة مترشحة من كمال ذاتي من صفاته الذاتية يستحق بها الثناء فله كل الثناء ولا يستقل شيء غيره بشيء من الثناء يثنى عليه به إلا وينتهي إليه والعبادة ثناء بقول أو فعل فهو المعبود المستحق للعبادة وحده.