و قوله:"فهم لا يتساءلون"تفريع على عمى الأنباء من قبيل تفرع بعض أفراد العام عليه أي لا يسأل بعضهم بعضا ليعدوا به عذرا يعتذرون به عن تكذيبهم الرسل وردهم الدعوة.
وقد فسر صدر الآية وذيلها بتفاسير كثيرة مختلفة لا جدوى في التعرض لها فرأينا الصفح عنها أولى.
قوله تعالى:"فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين"أي هذه حال من كفر ولم يرجع إلى الله سبحانه فأما من رجع وآمن وعمل صالحا فمن المرجو أن يكون من المفلحين ، وعسى - كما قيل - للتحقيق على عادة الكرام أو للترجي من قبل التائب ، والمعنى: فليتوقع الفلاح.
قوله تعالى:"و ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون"الخيرة بمعنى التخير كالطيرة بمعنى التطير.
والآية جواب رابع عن قولهم:"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا"والذي يتضمنه حجة قاطعة.
بيان ذلك: أن الخلق وهو الصنع والإيجاد ينتهي إليه تعالى كما قال:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 فلا مؤثر في الوجود بحقيقة معنى التأثير غيره تعالى فلا شيء هناك يلجئه تعالى على فعل من الأفعال فإن هذا الشيء المفروض إما مخلوق له منته في وجوده إليه فوجوده وآثار وجوده ينتهي إليه تعالى ولا معنى لتأثير الشيء ولا لتأثير أثره في نفسه وإما غير مخلوق له ولا منته في وجوده إليه يؤثر فيه بالإلجاء والقهر ولا مؤثر في الوجود غيره ولا أن هناك شيئا لا ينتهي في وجوده إليه تعالى فلا يعطيه شيء أثرا ولا يمنعه شيء من أثر كما قال:"و الله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 ، وقال: والله غالب على أمره": يوسف: 21."
وإذ لا قاهر يقهره على فعل ولا مانع يمنعه عن فعل فهو مختار بحقيقة معنى الاختيار هذا بحسب التكوين والتشريع يتبعه فإن حقيقة التشريع هي أنه فطر الناس على فطرة لا تستقيم إلا بإتيان أمور هي الواجبات وما في حكمها وترك أمور هي المحرمات وما في حكمها فما ينتفع به الإنسان في كماله وسعادته هو الذي أمر به وندب إليه وما يتضرر به هو الذي نهى عنه وحذر منه.
فله تعالى أن يختار في مرحلة التشريع من الأحكام والقوانين ما يشاء كما أن له أن يختار في مرحلة التكوين من الخلق والتدبير ما يشاء ، وهذا معنى قوله:"و ربك يخلق ما يشاء ويختار"وقد أطلق إطلاقا.
والظاهر أن قوله:"يخلق ما يشاء"إشارة إلى اختياره التكويني فإن معنى إطلاقه أنه لا تقصر قدرته عن خلق شيء ولا يمنعه شيء عما يشاؤه وبعبارة أخرى لا يمتنع عن مشيته شيء لا بنفسه ولا بمانع يمنع وهذا هو الاختيار بحقيقة معناه ، وقوله:"و يختار"إشارة إلى اختياره التشريعي الاعتباري ويكون عطفه على قوله:"يخلق ما يشاء"من عطف المسبب على سببه لكون التشريع والاعتبار متفرعا على التكوين والحقيقة.
ويمكن حمل قوله:"يخلق ما يشاء"على الاختيار التكويني وقوله:"و يختار"على الأعم من الحقيقة والاعتبار لكن الوجه السابق أوجه ، ومن الدليل عليه كون المنفي في قوله الآتي:"ما كان لهم الخيرة"هو الاختيار التشريعي الاعتباري ، والاختيار المثبت في قوله"و يختار"يقابله فالمراد إثبات الاختيار التشريعي الاعتباري.
ثم لا ريب في أن الإنسان له اختيار تكويني بالنسبة إلى الأفعال الصادرة عنه بالعلم والإرادة وإن لم يكن اختيارا مطلقا فإن للأسباب والعلل الخارجية دخلا في أفعاله إذ أكله لقمة من الطعام مثلا متوقف على تحقق مادة الطعام خارجا وقابليته وملائمته وقربه منه ومساعدة أدوات الأخذ والقبض والالتقام والمضغ والبلع وغير ذلك مما لا يحصى.
فصدور الفعل الاختياري عنه مشروط بموافقة الأسباب الخارجية الداخلية في تحقق فعله ، والله سبحانه في رأس تلك الأسباب جميعا وإليه ينتهي الكل وهو الذي خلق الإنسان منعوتا بنعت الاختيار وأعطاه خيرته كما أعطاه خلقه.
ثم إن الإنسان يرى بالطبع لنفسه اختيارا تشريعيا اعتباريا فيما يشاؤه من فعل أو ترك بحذاء اختياره التكويني فله أن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء من غير أن يكون لأحد من بني نوعه أن يحمله على شيء أو يمنعه عن شيء لكونهم أمثالا له لا يزيدون عليه بشيء في معنى الإنسانية ولا يملكون منه شيئا ، وهذا هو المراد بكون الإنسان حرا بالطبع.