و أما المشركون الذين يفتنون المؤمنين من غير جرم أجرموه إلا أن يقولوا ربنا الله فلا يحسبوا أنهم يعجزون الله ويسبقونه فأما فتنتهم للمؤمنين وإيذاؤهم وتعذيبهم فإنما هي فتنة لهم وللمؤمنين غير خارجة عن علم الله وتقديره ، فهي فتنة وهي محفوظة عليهم إن شاء أخذهم بوبالها في الدنيا وإن شاء أخرهم إلى يوم يرجعون فيه إليه وما لهم من محيص.
وأما ما لفقوه من الحجة وركنوا إليه من باطل القول فهو داحض مردود إليهم والحجة قائمة تامة عليهم.
فهذا محصل غرض السورة ومقتضى ذلك كون السورة كلها مكية ، وقول القائل: إنها مدنية كلها أو معظمها أو بعضها - وسيجيء في البحث الروائي التالي - غير سديد ، فمضامين آيات السورة لا تلائم إلا زمن العسرة والشدة قبل الهجرة.
قوله تعالى:"الم أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"الحسبان هو الظن ، وجملة"أن يتركوا"قائمة مقام مفعوليه ، وقوله:"أن يقولوا"بتقدير باء السببية ، والفتنة الامتحان وربما تطلق على المصيبة والعذاب ، والأوفق للسياق هو المعنى الأول ، والاستفهام للإنكار.
والمعنى: أ ظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم ولا يمتحنوا بما يظهر به صدقهم أو كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم: آمنا؟ وقيل: المعنى: أ ظن الناس أن يتركوا فلا يبتلوا ببلية ولا تصيبهم مصيبة لقولهم: آمنا بأن تكون لهم على الله كرامة بسبب الإيمان يسلموا بها من كل مكروه يصيب الإنسان مدى حياته؟ ولا يخلو من بعد بالنظر إلى سياق الآيات.
قوله تعالى:"و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"اللامان للقسم ، وقوله:"و لقد فتنا الذين من قبلهم"حال من الناس في قوله:"أ حسب الناس"أو من ضمير الجمع في قوله"لا يفتنون"وعلى الأول فالإنكار والتوبيخ متوجه إلى ظنهم أنهم لا يفتنون مع جريان السنة الإلهية على الفتنة والامتحان وعلى الثاني إلى ظنهم الاختلاف في فعله تعالى حيث يفتن قوما ولا يفتن آخرين ، ولعل الوجه الأول أوفق للسياق.
فالظاهر أن المراد بقوله:"و لقد فتنا الذين من قبلهم"أن الفتنة والامتحان سنة جارية لنا وقد جرت في الذين من قبلهم وهي جارية فيهم ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وقوله:"فليعلمن الله الذين صدقوا"إلخ تعليل لما قبله ، والمراد بعلمه تعالى بالذين صدقوا بالكاذبين ظهور آثار صدقهم وكذبهم في مقام العمل بسبب الفتنة والامتحان الملازم لثبوت الإيمان في قلوبهم حقيقة وعدم ثبوته فيها حقيقة فإن السعادة التي تترتب على الإيمان المدعو إليه وكذا الثواب إنما تترتب على حقيقة الإيمان الذي له آثار ظاهرة من الصبر عند المكاره والصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله لا على دعوى الإيمان المجردة.
ويمكن أن يكون المراد بالعلم علمه تعالى الفعلي الذي هو نفس الأمر الخارجي فإن الأمور الخارجية بنفسها من مراتب علمه تعالى ، وأما علمه تعالى الذاتي فلا يتوقف على الامتحان البتة.
والمعنى: أ حسبوا أن يتركوا ولا يفتنوا بمجرد دعوى الإيمان وإظهاره والحال أن الفتنة سنتنا وقد جرت في الذين من قبلهم فمن الواجب أن يتميز الصادقون من الكاذبين بظهور آثار صدق هؤلاء وآثار كذب أولئك الملازم لاستقرار الإيمان في قلوب هؤلاء وزوال صورته الكاذبة عن قلوب أولئك.
والالتفات في قوله:"فليعلمن الله"إلى اسم الجلالة قيل: للتهويل وتربية المهابة والظاهر أنه في أمثال المقام لإفادة نوع من التعليل وذلك أن الدعوة إلى الإيمان والهداية إليه والثواب عليه لما كانت راجعة إلى المسمى بالله الذي منه يبدأ كل شيء وبه يقوم كل شيء وإليه ينتهي كل شيء بحقيقته فمن الواجب أن يتميز عنده حقيقة الإيمان من دعواه الخالية ويخرج عن حال الإبهام إلى حال الصراحة ولذلك عدل عن مثل قولنا: فلنعلمن إلى قوله:"فليعلمن الله".
قوله تعالى:"أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون"أم منقطعة ، والمراد بقوله:"الذين يعملون السيئات"المشركون الذين كانوا يفتنون المؤمنين ويصدونهم عن سبيل الله كما أن المراد بالناس في قوله:"أ حسب الناس"هم الذين قالوا: آمنا وهم في معرض الرجوع عن الإيمان خوفا من الفتنة والتعذيب.