فهرس الكتاب

الصفحة 3293 من 4314

و المراد بقوله:"أن يسبقونا"الغلبة والتعجيز بسبب فتنة المؤمنين وصدهم عن سبيل الله - على ما يعطيه السياق.

وقوله:"ساء ما يحكمون"تخطئة لظنهم أنهم يسبقون الله بما يمكرون من فتنة وصد فإن ذلك بعينه فتنة من الله لهم أنفسهم وصد لهم عن سبيل السعادة ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.

وقيل: مفاد الآية توبيخ العصاة من المؤمنين وهم المراد بقوله:"الذين يعملون السيئات"والمراد بالسيئات المعاصي التي يقترفونها غير الشرك ، وأنت خبير بأن السياق لا يساعد عليه.

وقيل: المراد بعمل السيئات أعم من الشرك واقتراف سائر المعاصي فالآية عامة لا موجب لتخصيصها بخصوص الشرك أو بخصوص سائر المعاصي دون الشرك.

وفيه أن اعتبار الآية من حيث وقوعها في سياق خاص من السياقات أمر واعتبارها مستقلة في نفسها أمر آخر والذي يقتضيه الاعتبار الأول وهو العمدة بالنظر إلى غرض السورة هو ما قدمناه من المعنى ، وأما الاعتبار الثاني: فمقتضاه العموم ولا ضير فيه على ذلك التقدير.

قوله تعالى:"من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم"إلى تمام ثلاث آيات.

لما وبخ سبحانه الناس على استهانتهم بأمر الإيمان ورجوعهم عنه بأي فتنة وإيذاء من المشركين ووبخ المشركين على فتنتهم وإيذائهم المؤمنين وصدهم عن سبيل الله إرادة لإطفاء نور الله وتعجيزا له فيما شاء وخطأ الفريقين فيما ظنوا.

رجع إلى بيان الحق الذي لا معدل عنه والواجب الذي لا مخلص منه ، فبين في هذه الآيات الثلاث أن من يؤمن بالله لتوقع الرجوع إليه ولقائه فليعلم أنه آت لا محالة وأن الله سميع لأقواله عليم بأحواله وأعماله فليأخذ حذره وليؤمن حق الإيمان الذي لا يصرفه عنه فتنة ولا إيذاء وليجاهد في الله حق جهاده ، وليعلم أن الذي ينتفع بجهاده هو نفسه ولا حاجة لله سبحانه إلى إيمانه ولا إلى غيره من العالمين وليعلم أنه إن آمن وعمل صالحا فإن الله سيكفر عنه سيئاته ويجزيه بأحسن أعماله ، والعلمان الأخيران يؤكدان العلم الأول ويستوجبان لزومه الإيمان وصبره على الفتن والمحن في جنب الله.

فقوله:"من كان يرجوا لقاء الله"رجوع إلى بيان حال من يقول: آمنت فإنه إنما يؤمن لو صدق بعض الصدق لتوقعه الرجوع إلى الله سبحانه يوم القيامة إذ لو لا المعاد لغا الدين من أصله ، فالمراد بقوله:"من كان يرجوا لقاء الله"من كان يؤمن بالله أو من كان يقول: آمنت بالله ، فالجملة من قبيل وضع السبب موضع المسبب.

والمراد بلقاء الله وقوف العبد موقفا لا حجاب بينه وبين ربه كما هو الشأن يوم القيامة الذي هو ظرف ظهور الحقائق ، قال تعالى:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين".

وقيل: المراد بلقاء الله هو البعث ، وقيل: الوصول إلى العاقبة من لقاء ملك الموت والحساب والجزاء ، وقيل: المراد ملاقاة جزاء الله من ثواب أو عقاب وقيل: ملاقاة حكمه يوم القيامة ، والرجاء على بعض هذه الوجوه بمعنى الخوف.

وهذه وجوه مجازية بعيدة لا موجب لها إلا أن يكون من التفسير بلازم المعنى.

وقوله:"فإن أجل الله لآت"الأجل هو الغاية التي ينتهي إليها زمان الدين ونحوه وقد يطلق على مجموع ذلك الزمان والغالب في استعماله هو المعنى الأول.

و"أجل الله"هو الغاية التي عينها الله تعالى للقائه ، وهو آت لا ريب فيه وقد أكد القول تأكيدا بالغا ، ولازم تحتم إتيان هذا الأجل وهو يوم القيامة أن لا يسامح في أمره ولا يستهان بأمر الإيمان بالله حق الإيمان والصبر عليه عند الفتن والمحن من غير رجوع وارتداد ، وقد زاد في تأكيد القول بتذييله بقوله:"و هو السميع العليم"إذ هو تعالى لما كان سميعا لأقوالهم عليما بأحوالهم فلا ينبغي أن يقول القائل: آمنت بالله إلا عن ظهر القلب ومع الصبر على كل فتنة ومحنة.

ومن هنا يظهر أن ذيل الآية:"فإن أجل الله لآت"إلخ ، من قبيل وضع السبب موضع المسبب كما كان صدرها:"من كان يرجوا لقاء الله"أيضا كذلك ، والأصل من قال: آمنت بالله.

فليقله مستقيما صابرا عليه مجاهدا في ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت