فهرس الكتاب

الصفحة 3301 من 4314

و قوله:"إليه ترجعون"في مقام التعليل لقوله:"و اعبدوه واشكروا له"ولذا جيء بالفصل من غير عطف ، وفي هذا التعليل صرفهم عن عبادة الإله ابتغاء للرزق إلى عبادته للرجوع والحساب إذ لو لا المعاد لم يكن لعبادة الإله سبب محصل لأن الرزق وما يجري مجراه له أسباب خاصة كونية غير العبادات والقربات ولا يزيد ولا ينقص بإيمان أو كفر لكن سعادة يوم الحساب تختلف بالإيمان والكفر والعبادة والشكر وخلافهما فليكن الرجوع إلى الله هو الباعث إلى العبادة والشكر دون ابتغاء الرزق.

قوله تعالى:"و إن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين"الظاهر أنه من تمام كلام إبراهيم (عليه السلام) ، وذكر بعضهم أنه خطاب منه تعالى لمشركي قريش ولا يخلو من بعد.

ومعنى الشرط والجزاء في صدر الآية أن التكذيب هو المتوقع منكم لأنه كالسنة الجارية في الأمم المشركة وقد كذب من قبلكم وأنتم منهم وفي آخرهم وليس علي بما أنا رسول إلا البلاغ المبين.

ويمكن أن يكون المراد أن حالكم في تكذيبكم كحال الأمم من قبلكم لم ينفعهم تكذيبهم شيئا حل بهم عذاب الله ولم يكونوا بمعجزين في الأرض ولا في السماء ولم يكن لهم من دون الله من ولي ولا نصير ، فكذلكم أنتم ، وقوله:"و ما على الرسول"يناسب الوجهين جميعا.

قوله تعالى:"أ ولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير"هذه الآية إلى تمام خمس آيات من كلامه تعالى واقعة في خلال القصة تقيم الحجة على المعاد وترفع استبعادهم له متعلقه بما تقدم من حيث إن العمدة في تكذيبهم الرسل إنكارهم للمعاد كما يشير إليه قول إبراهيم:"إليه ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم".

فقوله:"أ ولم يروا"إلخ الضمير فيه للمكذبين من جميع الأمم من سابق ولاحق والمراد بالرؤية النظر العلمي دون الرؤية البصرية ، وقوله:"كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده"في موضع المفعول لقوله:"يروا"بعطف"يعيده"على موضع"يبدىء"خلافا لمن يرى عطفه على"أ ولم يروا"والاستفهام للتوبيخ.

والمعنى: أ ولم يعلموا كيفية الإبداء ثم الإعادة أي إنهما من سنخ واحد هو إنشاء ما لم يكن ، وقوله:"إن ذلك على الله يسير"الإشارة فيه إلى الإعادة بعد الإبداء وفيه رفع الاستبعاد لأنه إنشاء بعد إنشاء وإذ كانت القدرة المطلقة تتعلق بالإيجاد فهي جائزة التعلق بالإنشاء بعد الإنشاء وهي في الحقيقة نقل للخلق من دار إلى دار وإنزال للسائرين إليه في دار القرار.

وقول بعضهم: إن المراد بالإبداء ثم الإعادة إنشاء الخلق ثم إعادة أمثالهم بعد إفنائهم غير سديد لعدم ملائمة الاحتجاج على المعاد الذي هو إعادة عين ما فنى دون مثله.

قوله تعالى:"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير"الآية إلى تمام ثلاث آيات أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطبهم بما يتم به الحجة عليهم فيرشدهم إلى السير في الأرض لينظروا إلى كيفية بدء الخلق وإنشائهم على اختلاف طبائعهم وتفاوت ألوانهم وأشكالهم من غير مثال سابق وحصر أو تحديد في عدتهم وعدتهم ففيه دلالة على عدم التحديد في القدرة الإلهية فهو ينشىء النشأة الآخرة كما أنشأ النشأة الأولى فالآية في معنى قوله:"و لقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون": الواقعة: 62.

قوله تعالى:"يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون"من مقول القول ، والظاهر أنه بيان لقوله:"ينشىء النشأة الآخرة"وقلب الشيء تحويله عن وجهه أو حاله كجعل أسفله أعلاه وجعل باطنه ظاهره وهذا المعنى الأخير يناسب قوله تعالى:"يوم تبلى السرائر": الطارق: 9.

وفسروا القلب بالرد قال في المجمع: ، والقلب هو الرجوع والرد فمعناه أنكم تردون إلى حال الحياة في الآخرة حيث لا يملك فيه النفع والضر إلا الله.

انتهى وهذا معنى لطيف يفسر به معنى الرجوع إلى الله والرد إليه وهو وقوفهم موقفا تنقطع فيه عنهم الأسباب ولا يحكم فيه إلا الله سبحانه فالآية في معنى قوله:"و ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون": يونس: 30.

ومحصل المعنى: أن النشأة الآخرة هي نشأة يعذب الله فيها من يشاء وهم المجرمون ويرحم من يشاء وهم غيرهم وإليه تردون فلا يحكم فيكم غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت