فهرس الكتاب

الصفحة 3309 من 4314

و مورد المثل هو اتخاذ المشركين آلهة من دون الله ، فتبديل الآلهة من الأولياء لكون السبب الداعي لهم إلى اتخاذ الآلهة زعمهم أن لهم ولاية لأمرهم وتدبيرا لشأنهم من جلب الخير إليهم ودفع الشر عنهم والشفاعة في حقهم.

والآية - مضافا إلى إيفاء هذه النكتة - تشمل بإطلاقها كل من اتخذ في أمر من الأمور وشأن من الشئون وليا من دون الله يركن إليه ويراه مستقلا في أثره الذي يرجوه منه وإن لم يعد من الأصنام إلا أن يرجع ولايته إلى ولاية الله كولاية الرسول والأئمة والمؤمنين كما قال تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106.

وقوله:"لو كانوا يعلمون"أي لو كانوا يعلمون أن مثلهم كمثل العنكبوت ما اتخذوهم أولياء.

كذا قيل.

قوله تعالى:"إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم"يمكن أن يكون"ما"في"ما يدعون"موصولة أو نافية أو استفهامية أو مصدرية و"من"في"من شيء"على الاحتمال الثاني زائدة للتأكيد وعلى الباقي للتبيين وأرجح الاحتمالات الأولان وأرجحهما أولهما.

والمعنى: على الثاني أن الله يعلم أنهم ليسوا يدعون من دونه شيئا أي إن الذي يعبدونه من الآلهة لا حقيقة له فيكون كما قال صاحب الكشاف توكيدا للمثل وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا.

والمعنى: على الأول أن الله يعلم الشيء الذي يدعون من دونه ولا يجهل ذلك فيكون كناية عن أن المثل الذي ضربه في محله ، وليس لأوليائهم من الولاية إلا اسمها.

ويؤكد هذا المعنى الاسمان الكريمان: العزيز الحكيم في آخر الآية فهو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء فلا يشاركه في تدبير ملكه أحد كما لا يشاركه في الخلق والإيجاد أحد ، الحكيم الذي يأتي بالمتقن من الفعل والتدبير فلا يفوض تدبير خلقه إلى أحد ، وهذا كالتمهيد لما سيبين في قوله:"خلق الله السماوات والأرض بالحق".

قوله تعالى:"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون"يشير إلى أن الأمثال المضروبة في القرآن على أنها عامة تقرع أسماع عامة الناس ، لكن الإشراف على حقيقة معانيها ولب مقاصدها خاصة لأهل العلم ممن يعقل حقائق الأمور ولا ينجمد على ظواهرها.

والدليل على هذا المعنى قوله:"و ما يعقلها"دون أن يقول: وما يؤمن بها أو ما في معناه.

فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقيها باختلاف أفهامهم فمن سامع لا حظ له منها إلا تلقي ألفاظها وتصور مفاهيمها الساذجة من غير تعمق فيها وسبر لأغوارها ، ومن سامع يتلقى بسمعه ما يسمعه هؤلاء ثم يغور في مقاصدها العميقة ويعقل حقائقها الأنيقة.

وفيه تنبيه على أن تمثيل اتخاذهم أولياء من دون الله باتخاذ العنكبوت بيتا هو أوهن البيوت ليس مجرد تمثيل شعري ودعوى خالية من البينة بل متك على حجة برهانية وحقيقة حقة ثابتة وهي التي تشير إليه الآية التالية.

قوله تعالى:"خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين"المراد بكون خلق السماوات والأرض بالحق نفي اللعب في خلقها ، كما قال تعالى:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون": الدخان: 39.

فخلق السماوات والأرض على نظام ثابت لا يتغير وسنة إلهية جارية لا تختلف ولا تتخلف ، والخلق والتدبير لا يختلفان حقيقة ولا ينفك أحدهما عن الآخر ، وإذ كان الخلق والصنع ينتهي إليه تعالى انتهاء ضروريا ولا محيص فالتدبير أيضا له ولا محيص وما من شيء غيره تعالى إلا وهو مخلوقة القائم به المملوك له لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ومن المحال قيامه بشيء من تدبير أمر نفسه أو غيره بحيث يستقل به مستغنيا في أمره عنه تعالى هذا هو الحق الذي لا لعب فيه والجد الذي لا هزل فيه.

فلما تولى بعض خلقه أمر بعض لم يكن ذلك منه ولاية حق لكونه لا يملك شيئا بحقيقة معنى الملك بل كان ذلك منه جاريا على اللعب وتفويضه تعالى أمر التدبير إليه لعبا منه تعالى وتقدس إذ ليس إلا فرضا لا حقيقة له ووهما لا واقع له وهو معنى اللعب.

ومنه يظهر أن ولاية من يدعون ولايته ليس لها إلا اسم الولاية من غير مسمى كما أن بيت العنكبوت كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت