و قوله:"إن في ذلك لآية للمؤمنين"تخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الآية لهم ولغيرهم لكون المنتفعين بها هم المؤمنون دون غيرهم.
قوله تعالى:"اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر"إلخ ، لما ذكر إجمال قصص الأمم وما انتهى إليه شركهم وارتكابهم الفحشاء والمنكر من الشقاء اللازم والخسران الدائم انتقل من ذلك - مستأنفا للكلام - إلى أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلاوة ما أوحي إليه من الكتاب لكونه خير رادع عن الشرك وارتكاب الفحشاء والمنكر بما فيه من الآيات البينات التي تتضمن حججا نيرة على الحق وتشتمل على القصص والعبر والمواعظ والتبشير والإنذار والوعد والوعيد يرتدع بتلاوة آياته تاليه ومن سمعه.
وشفعه بالأمر بإقامة الصلاة التي هي خير العمل وعلل ذلك بقوله:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"والسياق يشهد أن المراد بهذا النهي ردع طبيعة العمل عن الفحشاء والمنكر بنحو الاقتضاء دون العلية التامة.
فلطبيعة هذا التوجه العبادي - إذ أتى به العبد وهو يكرره كل يوم خمس مرات ويداوم عليه وخاصة إذا زاول عليه في مجتمع صالح يؤتى فيه بمثل ما أتى به ويهتم فيه بما اهتم - به أن يردعه عن كل معصية كبيرة يستشنعه الذوق الديني كقتل النفس عدوانا وأكل مال اليتيم ظلما والزنا واللواط ، وعن كل ما ينكره الطبع السليم والفطرة المستقيمة ردعا جامعا بين التلقين والعمل.
وذلك أنه يلقنه أولا بما فيه من الذكر الإيمان بوحدانيته تعالى والرسالة وجزاء يوم الجزاء وأن يخاطب ربه بإخلاص العبادة والاستعانة به وسؤال الهداية إلى صراطه المستقيم متعوذا من غضبه ومن الضلال ، ويحمله ثانيا على أن يتوجه بروحه وبدنه إلى ساحة العظمة والكبرياء ويذكر ربه بحمده والثناء عليه وتسبيحه وتكبيره ثم السلام على نفسه وأترابه وجميع الصالحين من عباد الله.
مضافا إلى حمله إياه على التطهر من الحدث والخبث في بدنه والطهارة في لباسه والتحرز عن الغصب في لباسه ومكانه واستقبال بيت ربه فالإنسان لو داوم على صلاته مدة يسيرة واستعمل في إقامتها بعض الصدق أثبت ذلك في نفسه ملكة الارتداع عن الفحشاء والمنكر البتة ، ولو أنك وكلت على نفسك من يربيها تربية صالحة تصلح بها لهذا الشأن وتتحلى بأدب العبودية لم يأمرك بأزيد مما تأمرك به الصلاة ولا روضك بأزيد مما تروضك به.
وقد استشكل على الآية بأنا كثيرا ما نجد من المصلين من لا يبالي ارتكاب الكبائر ولا يرتدع عن المنكرات فلا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر.
ولذلك ذكر بعضهم أن الصلاة في الآية بمعنى الدعاء والمراد الدعوة إلى أمر الله والمعنى: أقم الدعوة إلى أمر الله فإن ذلك يردع الناس عن الفحشاء والمنكر.
وفيه أنه صرف الكلام عن ظاهره.
وذكر آخرون أن الصلاة في الآية في معنى النكرة والمعنى أن بعض أنواع الصلاة أو أفرادها يوجب الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وهو كذلك وليس المراد الاستغراق حتى يرد الإشكال.
وذكر قوم أن المراد نهيها عن الفحشاء والمنكر ما دامت قائمة والمصلي في صلاته كأنه قيل: إن المصلي ما دام مصليا في شغل من معصية الله بإتيان الفحشاء والمنكر.
وقال بعضهم: إن الآية على ظاهرها والصلاة بمنزلة من ينهى ويقول: لا تفعل كذا ولا تقترف كذا لكن النهي لا يستوجب الانتهاء فليس نهي الصلاة بأعظم من نهيه تعالى كما في قوله:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر": النحل: 90 ، ونهيه تعالى لا يستوجب الانتهاء وليس الإشكال إلا مبنيا على توهم استلزام النهي للانتهاء وهو توهم باطل.
وعن بعضهم في دفع الإشكال أن الصلاة تقام لذكر الله كما قال تعالى:"أقم الصلاة لذكري"ومن كان ذاكرا لله تعالى منعه ذلك عن الإتيان بما يكرهه وكل من تراه يصلي ويأتي بالفحشاء والمنكر فهو بحيث لو لم يصل لكان أشد إتيانا فقد أثرت الصلاة في تقليل فحشائه ومنكره.