و أنت خبير بأن شيئا من هذه الأجوبة لا يلائم سياق الحكم والتعليل في الآية فإن الذي يعطيه السياق أن الأمر بإقامة الصلاة إنما علل بقوله:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"ليفيد أن الصلاة عمل عبادي يورث إقامته صفة روحية في الإنسان تكون رادعة له عن الفحشاء والمنكر فتتنزه النفس عن الفحشاء والمنكر وتتطهر عن قذارة الذنوب والآثام.
فالمراد به التوسل إلى ملكة الارتداع التي هي من آثار طبيعة الصلاة بنحو الاقتضاء لا أنها أثر بعض أفراد طبيعة الصلاة كما في الجواب الثاني ، ولا أنها أثر الاشتغال بالصلاة ما دام مشتغلا بها كما في الجواب الثالث ، ولا أن المراد هو التوسل إلى تلقي نهي الصلاة فحسب من غير نظر إلى الانتهاء عن نهيها كأنه قيل أقم الصلاة لتسمع نهيها كما في الجواب الرابع ، ولا أن المراد أقم الصلاة لينهاك الذكر الذي تشتمل عليه عن الفحشاء والمنكر كما في الجواب الخامس.
فالحق في الجواب أن الردع أثر طبيعة الصلاة التي هي توجه خاص عبادي إلى الله سبحانه وهو بنحو الاقتضاء دون الاستيجاب والعلية التامة فربما تخلف عن أثرها لمقارنة بعض الموانع التي تضعف الذكر وتقربه من الغفلة والانصراف عن حاق الذكر فكلما قوي الذكر وكمل الحضور والخشوع وتمحض الإخلاص زاد أثر الردع عن الفحشاء والمنكر وكلما ضعف ضعف الأثر.
وأنت إذا تأملت حال بعض من تسمى بالإسلام من الناس وهو تارك الصلاة وجدته يضيع بإضاعة الصلاة فريضة الصوم والحج والزكاة والخمس وعامة الواجبات الدينية ولا يفرق بين طاهر ونجس وحلال وحرام فيذهب لوجهه لا يلوي على شيء ثم إذا قست إليه حال من يأتي بأدنى مراتب الصلاة مما يسقط به التكليف ، وجدته مرتدعا عن كثير مما يقترفه تارك الصلاة غير مكترث به ثم إذا قست إليه من هو فوقه في الاهتمام بأمر الصلاة وجدته أكثر ارتداعا منه وعلى هذا القياس.
وقوله:"و لذكر الله أكبر"قال الراغب في المفردات: ، الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه والذكر يقال اعتبارا باستحضاره.
وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول ولذلك قيل: الذكر ذكران ذكر عن نسيان وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ ، وكل قول يقال له ذكر.
انتهى.
والظاهر أن الأصل في معناه هو المعنى الأول وتسمية اللفظ ذكرا إنما هو لاشتماله على المعنى القلبي والذكر القلبي بالنسبة إلى اللفظي كالأثر المترتب على سببه والغاية المقصودة من الفعل.
والصلاة تسمى ذكرا لاشتمالها على الأذكار القولية من تهليل وتحميد وتنزيه وهي باعتبار آخر مصداق من مصاديق الذكر لأنها بمجموعها ممثل لعبودية العبد لله سبحانه كما قال:"إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله": الجمعة: 9 ، وهي باعتبار آخر أمر يترتب عليه الذكر ترتب الغاية على ذي الغاية يشير إليه قوله تعالى:"و أقم الصلاة لذكري": طه: 14.
والذكر الذي هو غاية مترتبة على الصلاة أعني الذكر القلبي بمعنى استحضار المذكور في ظرف الإدراك بعد غيبته نسيانا أو إدامة استحضاره ، أفضل عمل يتصور صدوره عن الإنسان وأعلاه كعبا وأعظمه قدرا وأثرا فإنه السعادة الأخيرة التي هيئت للإنسان ومفتاح كل خير.
ثم إن الظاهر من سياق قوله:"و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"إن قوله:"و لذكر الله أكبر"متصل به مبين لأثر آخر للصلاة وهو أكبر مما بين قبله ، فيقع قوله:"و لذكر الله أكبر"موقع الإضراب والترقي ويكون المراد الذكر القلبي الذي يترتب على الصلاة ترتب الغاية على ذي الغاية فكأنه قيل: أقم الصلاة لتردعك عن الفحشاء والمنكر بل الذي تفيده من ذكر الله الحاصل بها أكبر من ذلك أي من النهي عن الفحشاء والمنكر لأنه أعظم ما يناله الإنسان من الخير وهو مفتاح كل خير والنهي عن الفحشاء والمنكر بعض الخير.
ومن المحتمل أن يراد بالذكر ما تشتمل عليه الصلاة من الذكر أو نفس الصلاة.