قوله تعالى:"و ما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون"التلاوة هي القراءة سواء كانت عن حفظ أو عن كتاب مخطوط والمراد به في الآية الثاني بقرينة المقام ، والخط الكتابة ، والمبطلون جمع مبطل وهو الذي يأتي بالباطل من القول ، ويقال أيضا للذي يبطل الحق أي يدعي بطلانه ، والأنسب في الآية المعنى الثاني وإن جاز أن يراد المعنى الأول.
وظاهر التعبير في قوله:"و ما كنت تتلوا"إلخ ، نفي العادة أي لم يكن من عادتك أن تتلو وتخط كما يدل عليه قوله في موضع آخر:"فقد لبثت فيكم عمرا من قبله": يونس: 16.
وقيل المراد به نفي القدرة أي ما كنت تقدر أن تتلو وتخط من قبله والوجه الأول أنسب بالنسبة إلى سياق الحجة وقد أقامها لتثبيت حقية القرآن ونزوله من عنده.
وتقييد قوله:"و لا تخطه"بقوله:"بيمينك"نوع من التمثيل يفيد التأكيد كقول القائل: رأيته بعيني وسمعته بأذني.
والمعنى: وما كان من عادتك قبل نزول القرآن أن تقرأ كتابا ولا كان من عادتك أن تخط كتابا وتكتبه - أي ما كنت تحسن القراءة والكتابة لكونك أميا - ولو كان كذلك لارتاب هؤلاء المبطلون الذين يبطلون الحق بدعوى أنه باطل لكن لما لم تحسن القراءة والكتابة واستمرت على ذلك وعرفوك على هذه الحال لمخالطتك لهم ومعاشرتك معهم لم يبق محل ريب لهم في أمر القرآن النازل إليك أنه كلام الله تعالى وليس تلفيقا لفقته من كتب السابقين ونقلته من أقاصيصهم وغيرهم حتى يرتاب المبطلون ويعتذروا به.
قوله تعالى:"بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون"إضراب عن مقدر يستفاد من الآية السابقة كأنه لما نفى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) التلاوة والخط معا تحصل من ذلك أن القرآن ليس بكتاب مؤلف مخطوط فأضرب عن هذا المقدر بقوله:"بل هو - أي القرآن - آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم".
وقوله:"و ما يجحد بآياتنا إلا الظالمون"المراد بالظلم بقرينة المقام الظلم لآيات الله بتكذيبها والاستكبار عن قبولها عنادا وتعنتا.
قوله تعالى:"و قالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين"لما ذكر الكتاب وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتلوه ويدعوهم إليه به وأن منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وهم الكافرون الظالمون أشار في هذه الآية والآيتين بعدها إلى عدم اعتنائهم بالقرآن الذي هو آية النبوة واقتراحهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم بآيات غيره والجواب عنه.
فقوله:"و قالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه"اقتراح منهم أن يأتيهم بآيات غير القرآن تعريضا منهم أنه ليس بآية وزعما منهم أن النبي يجب أن يكون ذا قوة إلهية غيبية يقوى على كل ما يريد ، وفي قولهم: لو لا أنزل عليه ، دون أن يقولوا: لو لا يأتينا بآيات نوع سخرية كقولهم:"يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين": الحجر: 7.
وقوله:"قل إنما الآيات عند الله"جواب عن زعمهم أن من يدعي الرسالة يدعي قوة غيبية يقدر بها على كل ما أراد بأن الآيات عند الله ينزلها متى ما أراد وكيفما شاء لا يشاركه في القدرة عليها غيره فليس إلى النبي شيء إلا أن يشاء الله ثم زاده بيانا بقصر شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإنذار فحسب بقوله:"إنما أنا نذير مبين".
قوله تعالى:"أ ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم"إلى آخر الآية توطئة وتمهيد للجواب عن تعريضهم بالقرآن أنه ليس بآية ، والاستفهام للإنكار والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي يكفيهم آية هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك وهو يتلى عليهم فيسمعونه ويعرفون مكانته من الإعجاز وهو مملو رحمة وتذكرة للمؤمنين.
قوله تعالى:"قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا"إلقاء جواب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليجيبهم به وهو أن الله سبحانه شهيد بيني وبينكم فيما نتخاصم فيه وهو أمر الرسالة فإنه سبحانه يشهد في كلامه الذي أنزله علي برسالتي وهو تعالى يعلم ما في السماوات والأرض من غير أن يجهل شيئا وكفى بشهادته لي دليلا على دعواي.