فهرس الكتاب

الصفحة 3337 من 4314

قوله تعالى:"ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون"تهديد لأولئك المشركين عند إذاقة الرحمة واللام في"ليكفروا"للأمر الغائب وقوله:"فتمتعوا"متفرع على سابقه وهو أمر آخر والأمران جميعا للتهديد ، والالتفات من الأمر الغائب إلى الأمر الحاضر لثوران الوجد والسخط من تفريطهم في جنب الله واستهانتهم بأمره فقد بلغ منهم ذلك أن يتضرعوا عند الضر ويكفروا إذا كشف.

قوله تعالى:"أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون""أم"منقطعة والمراد بالإنزال الإعلام أو التعليم مجازا ، والسلطان البرهان ، والمراد بالتكلم الدلالة مجازا فالمعنى بل أعلمناهم برهانا فهو يدل على ما كانوا به يشركون أو بشركهم.

ويمكن أن يراد بالسلطان ذو السلطان وهو الملك فلا مجاز في الإنزال والتكلم والمعنى: بل أ أنزلنا عليهم ملكا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أو بشركهم.

قوله تعالى:"و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون"الإذاقة كالمس تدل على قليل النيل ويسيره ، والقنوط اليأس.

وإذا الأولى شرطية والثانية فجائية والمقابلة بين"إذا"في إذاقة الرحمة و"إن"في إصابة السيئة لأن الرحمة كثيرة قطعية والسيئة قليلة احتمالية ، ونسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة لأن الرحمة وجودية مفاضة منه تعالى والسيئة عدمية هي عدم الإفاضة ولذا عللها بقوله:"بما قدمت أيديهم"، وفي تعليل السيئة بذلك وعدم التعليل في جانب الرحمة بشيء إشارة إلى أن الرحمة تفضل.

والتعبير في الرحمة بقوله:"فرحوا"وفي السيئة بقوله:"إذا هم يقنطون"للدلالة على حدوث القنوط ولم يكن بمترقب فإن الرحمة والسيئة بيد الله والرحمة واسعة ولهذا عبر بالمضارع الدال على الحال لتمثيل حالهم.

والمراد بالآية بيان أن الناس لا يعدو نظرهم ظاهر ما يشاهدونه من النعمة والنقمة إذا وجدوا فرحوا بها من غير أن يتبصروا ويعقلوا أن الأمر بيد غيرهم وبمشية من ربهم إذا لم يشأ لم يكن ، وإذا فقدوا قنطوا كان ليس ذلك بإذن من ربهم وإذا لم يشأ لم يأذن وفتح باب النعمة فهم ظاهريون سطحيون.

وبهذا يتضح أن لا تدافع بين هذه الآية وبين قوله السابق:"و إذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه"الآية وذلك أن مدلول هذه الآية أن أفهامهم سطحية إذا وجدوا فرحوا وإذا فقدوا قنطوا ومدلول تلك أنهم إذا وجدوا فرحوا وإذا فقدوا دعوا الله وهم قانطون من الشيء وأسبابه منيبين راجعين إلى الله سبحانه فلا تدافع.

وربما أجيب بأن المراد بالناس في هذه الآية فريق آخر غير الفريق المراد بالناس في الآية السابقة ولو فرض اتحادهما كان ما ذكر من دعائهم في حال وقنوطهم في حال أخرى.

وأجيب عنه أيضا بأن الدعاء لساني جار على العادة ولا ينافي القنوط الذي هو أمر قلبي وأنت خبير بما في كل من الجوابين من الفتور.

وأجيب أيضا أن المراد بقنوطهم فعلهم فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء.

وفيه مضافا إلى عدم الدليل على ذلك أنه لا يلائم معنى المفاجأة في القنوط.

قوله تعالى:"أ ولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون"بيان لخطئهم في المبادرة إلى الفرح والقنوط عند إذاقة الرحمة وإصابة السيئة فإن الرزق في سعته وضيقه تابع لمشية الله فعلى الإنسان أن يعلم أن الرحمة التي ذاقها والسيئة التي أصابته ممكنة الزوال بمشية الله سبحانه ولا موجب للفرح بما لا يؤمن فقده ولا للقنوط مما يرجى زواله.

وأما أنه أمر ظاهر للإنسان مقطوع به كأنه يراه فلأن الرزق الذي يناله الإنسان أو يكتسبه متوقف الوجود على ألوف وألوف من الأسباب والشرائط ليس الإنسان الذي يراه لنفسه إلا أحد تلك الأسباب ولا السبب الذي يركن إليه ويطيب به نفسا إلا بعض تلك الأسباب وعامة الأسباب منتهية إليه سبحانه فهو الذي يعطي ويمنع وهو الذي يبسط ويقدر أي يوسع ويضيق ، والباقي ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت