فهرس الكتاب

الصفحة 3336 من 4314

و هذا لبيان فساد قول من يقول: العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف ، وقول المشركين: إن الناقص لا يصلح لعبادة الله وإنما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله ، وقول النصارى إن عيسى كان يحل الله فيه وصار إلها فقال: لا تبديل لخلق الله بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك.

انتهى.

وفيه أنه مغالطة بين الملك والعبادة التكوينيين والملك والعبادة التشريعيين فإن ملكه تعالى الذي لا يقبل الانتقال والبطلان ملك تكويني بمعنى قيام وجود الأشياء به تعالى والعبادة التي بإزائه عبادة تكوينية وهو خضوع ذوات الأشياء له تعالى ولا تقبل التبديل والترك كما في قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44 ، وأما العبادة الدينية التي تقبل التبديل والترك فهي عبادة تشريعية بإزاء الملك التشريعي المعتبر له تعالى فافهمه.

ولو دل قوله:"لا تبديل لخلق الله"على عدم تبديل الملك والعبادة والعبودية لدل على التكويني منهما والذي يبدله القائلون بارتفاع التكليف عن الإنسان الكامل أو بعبادة الكواكب أو المسيح فإنما يعني به التشريعي منهما.

قوله تعالى:"منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين"تعميم للخطاب بعد تخصيصه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نظير قوله:"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء": الطلاق: 1 ، وقوله:"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا": هود: 112 ، فيئول المعنى إلى نحو من قولنا: فأقم وجهك للدين حنيفا أنت ومن معك منيبين إلى الله ، والإنابة الرجوع بالتوبة.

وقوله:"و اتقوه وأقيموا الصلاة"التقوى بحسب دلالة المقام يشمل امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه تعالى فاختصاص إقامة الصلاة من بين سائر العبادات بالذكر للاعتناء بشأنها فهي عمود الدين.

وقوله:"و لا تكونوا من المشركين"القول في اختصاصه من بين المحرمات بالذكر نظير القول في الصلاة فالشرك بالله أكبر الكبائر الموبقة ، وقد قال تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 48 ، إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى:"من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون""من"للتبيين و"من الذين فرقوا دينهم"إلخ ، بيان للمشركين وفيه تعريفهم بأخص صفاتهم في دينهم وهو تفرقهم في دينهم وعودهم شيعة شيعة وحزبا حزبا يفرح ويسر كل شيعة وحزب بما عندهم من الدين والسبب في ذلك ما ذكره قبيل هذا بقوله:"بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين"فبين أنهم بنوا دينهم على أساس الأهواء وأنه لا يهديهم ولا هادي غيره.

ومن المعلوم أن هوى النفس لا يتفق في النفوس بل ولا يثبت على حال واحدة دون أن يختلف باختلاف الأحوال وإذا كان هو الأساس للدين لم يلبث دون أن يسير بسير الأهواء وينزل بنزولها ، ولا فرق في ذلك بين الدين الباطل والدين الحق المبني على أساس الهوى.

ومن هنا يظهر أن النهي عن تفرق الكلمة في الدين نهي في الحقيقة عن بناء الدين على أساس الهوى دون العقل ، وربما احتمل كون الآية استئنافا من الكلام وهو لا يلائم السياق.

وفي الآية ذم للمشركين بما عندهم من صفة التفرق في الكلمة والتحزب في الدين.

قوله تعالى:"و إذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون"التعبير بالمس للدلالة على القلة والخفة وتنكير ضر ورحمة أيضا لذلك والمعنى: إذا أصاب الناس شيء من الضر ولو قليلا كمرض ما وفقر ما وشدة ما دعوا ربهم وهو الله سبحانه حال كونهم راجعين من غيره ثم إذا أذاقهم الله من عنده رحمة إذا فريق من هؤلاء الناس بربهم الذي كانوا يدعونه ويعترفون بربوبيته يشركون باتخاذ الأنداد والشركاء.

أي إنهم كافرون للنعمة طبعا وإن اعترفوا بها عند الضر وقد أخذ لذلك فريقا منهم لأن منهم من ليس كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت