فهرس الكتاب

الصفحة 3335 من 4314

فلو اختلفت سعادة الإنسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن سعادة الأفراد المجتمعين ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأقطار التي تعيش فيها الأمم المختلفة بمعنى أن يكون الأساس الوحيد للسنة الاجتماعية أعني الدين هو ما يقتضيه حكم المنطقة كان الإنسان أنواعا مختلفة باختلاف الأقطار ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأزمنة بمعنى أن تكون الأعصار والقرون هي الأساس الوحيد للسنة الدينية اختلفت نوعية كل قرن وجيل مع من ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم ولم يسر الاجتماع الإنساني سير التكامل ولم تكن الإنسانية متوجهة من النقص إلى الكمال إذ لا يتحقق النقص والكمال إلا مع أمر مشترك ثابت محفوظ بينهما.

وليس المراد بهذا إنكار أن يكون لاختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة بعض التأثير في انتظام السنة الدينية في الجملة بل إثبات أن الأساس للسنة الدينية هو البنية الإنسانية التي هي حقيقة واحدة ثابتة مشتركة بين الأفراد ، فللإنسانية سنة واحدة ثابتة بثبات أساسها الذي هو الإنسان وهي التي تدير رحى الإنسانية مع ما يلحق بها من السنن الجزئية المختلفة باختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة.

وهذا هو الذي يشير إلى قوله بعد:"ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"وسنزيد المقام إيضاحا في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.

وللقوم في مفردات الآية ومعناها أقوال أخر متفرقة: منها: أن المراد بإقامة الوجه تسديد العمل فإن الوجه هو ما يتوجه إليه وهو العمل وإقامته تسديده.

وفيه: أن وجه العمل هو غايته المقصودة منه وهي غير العمل والذي في الآية هو"فأقم وجهك"ولم يقل فأقم وجه عملك.

ومنها: أن"فطرة الله"منصوب بتقدير أعني والفطرة هي الملة ، والمعنى: اثبت وأدم الاستقامة للدين أعني الملة التي خلق الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله.

وفيه: أنه مبني على اختلاف المراد بالفطرة وهي الملة و"فطر الناس"وهو الخلقة والتفكيك خلاف ظاهر الآية ولو أخذ"فطر الناس"بمعنى الإدانة أي الحمل على الدين وهو التوحيد بقي قوله:"لا تبديل لخلق الله"لا يلائم ما قبله.

على أن فيه خلاف ظاهر آخر وهو حمل الدين على التوحيد ، ولو أخذ الدين بمعنى الإسلام أو مجموع الدين كله وأبقيت الفطرة على معناه المتبادر منها وهو الخلقة لم يستقم تقدير"أعني"فإن الدين بهذا المعنى غير الفطرة بمعنى الخلقة.

ومنها: أن"فطرة"بدل من"حنيفا"والفطرة بمعنى الملة ويرد عليه ما يرد على سابقه.

ومنها: أن"فطرة"مفعول مطلق لفعل محذوف مقدر ، والتقدير: فطر الله فطرة فطر الناس عليها وفساده غني عن البيان.

ومنها: أن معناه اتبع من الدين ما دلك عليه فطرة الله وهو ما دلك عليه ابتداء خلقه للأشياء لأنه خلقهم وركبهم وصورهم على وجه يدل على أن لهم صانعا قادرا عالما حيا قديما واحدا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء.

وفيه أنه مبني على كون"فطرة"منصوبا بتقدير اتبع وقد ذكره أبو السعود وقبله أبو مسلم المفسر فيكون المراد من اتباع الفطرة اتباع دلالة الفطرة بمعنى الخلقة والمراد بعدم تبديل الخلق عدم تغيره في الدلالة على الصانع بما له من الصفات الكريمة ، وهذا قريب من المعنى الذي قدمناه للآية بحمل"فطرة"على الإغراء لكن يبقى عليه أن الآية عامة لا دليل على تخصيصها بالتوحيد.

ومنها: أن لا في قوله:"لا تبديل لخلق الله"تفيد النهي أي لا تبدلوا خلق الله أي دينه الذي أمرتم بالتمسك به ، أو لا تبدلوا خلق الله بإنكار دلالته على التوحيد ومنه ما نسب إلى ابن عباس أن المراد به النهي عن الخصاء.

وفيه أن لا دليل على أخذ الخلق بمعنى الدين ولا موجب لتسمية الإعراض عن دلالة الخلقة أو إنكارها تبديلا لخلق الله.

وأما ما نسب إلى ابن عباس ففساده ظاهر.

ومنها: ما ذكره الرازي في التفسير الكبير ، قال: ويحتمل أن يقال: خلق الله الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيدا مثل كون المملوك عبدا للإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل لا - خروج للخلق عن العبادة والعبودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت