فهرس الكتاب

الصفحة 3334 من 4314

فقوله:"فمن يهدي من أضل الله"استفهام إنكاري مدلوله الإيئاس من نعمة الهداية للمشركين المتبعين لأهوائهم مع ظهور الحق لهم لمكان ظلمهم الموجب لإضلالهم وقد تكرر في كلامه تعالى:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين".

وقوله:"و ما لهم من ناصرين"نفي لنجاتهم بنصرة الناصرين لهم من غيرهم بعد ما لم ينالوا النجاة من الضلال وتبعاته من عند أنفسهم لإضلال الله لهم ونفي الجمع دليل على أن لغيرهم ناصرين كالشفعاء.

وقول القائل إن معنى نفي الناصرين لهم أنه ليس لواحد منهم ناصر واحد على ما هو المشهور من مقابلة الجمع بالجمع غير مطرد.

ومعنى الآية: بل اتبع الذين ظلموا بشركهم أهواءهم بغير علم وتعقل فأضلهم الله بظلمهم ولا هادي يهديهم وليس لهم ناصرون ينصرونهم.

قوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"الكلام متفرع على ما تحصل من الآيات السابقة المثبتة للمبدإ والمعاد أي إذا ثبت أن الخلق والتدبير لله وحده لا شريك له وهو سيبعث ويحاسب ولا نجاة لمن أعرض عنه وأقبل على غيره فأقم وجهك للدين والزمه فإنه الدين الذي تدعو إليه الخلقة الإلهية.

وقيل: الكلام متفرع على معنى التسلية المفهوم من سياق البيان السابق الدال على ما هو الحق وأن المشركين لظلمهم اتبعوا الأهواء وأعرضوا عن التعقل الصحيح فأضلهم الله ولم يأذن لناصر ينصرهم بالهداية ولا لمنقذ ينقذهم من الضلال لا أنت ولا غيرك فاستيئس منهم واهتم بخاصة نفسك ومن تبعك من المؤمنين وأقم وجهك ومن تبعك للدين.

فقوله:"فأقم وجهك للدين"المراد بإقامة الوجه للدين الإقبال عليه بالتوجه من غير غفلة منه كالمقبل على الشيء بقصر النظر فيه بحيث لا يلتفت عنه يمينا وشمالا والظاهر أن اللام في الدين للعهد والمراد به الإسلام.

وقوله:"حنيفا"حال من فاعل أقم وجوز أن يكون حالا من الدين أو حالا من الوجه والأول أظهر وأنسب للسياق ، والحنف ميل القدمين إلى الوسط والمراد به الاعتدال.

وقوله:"فطرة الله التي فطر الناس عليها"الفطرة بناء نوع من الفطر بمعنى الإيجاد والإبداع و"فطرة الله"منصوب على الإغراء أي الزم الفطرة ففيه إشارة إلى أن هذا الدين الذي يجب إقامة الوجه له هو الذي يهتف به الخلقة ويهدي إليه الفطرة الإلهية التي لا تبديل لها.

وذلك أنه ليس الدين إلا سنة الحياة والسبيل التي يجب على الإنسان أن يسلكها حتى يسعد في حياته فلا غاية للإنسان يتبعها إلا السعادة وقد هدي كل نوع من أنواع الخليقة إلى سعادته التي هي بغية حياته بفطرته ونوع خلقته وجهز في وجوده بما يناسب غايته من التجهيز ، قال تعالى:"ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، وقال:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3.

فالإنسان كسائر الأنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه وتهتف له بما ينفعه وما يضره في حياته ، قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 ، وهو مع ذلك مجهز بما يتم له به ما يجب له أن يقصده من العمل ، قال تعالى:"ثم السبيل يسره": عبس: 20.

فللإنسان فطرة خاصة تهديه إلى سنة خاصة في الحياة وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة وهو قوله:"فطرة الله التي فطر الناس عليها"وليس الإنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعا واحدا لا يختلف ما ينفعه وما يضره بالنظر إلى هذه البنية المؤلفة من روح وبدن فما للإنسان من جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة وشقاء واحد فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه إليها هاد واحد ثابت.

وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة ولذلك عقب قوله"فطرة الله التي فطر الناس عليها"بقوله:"لا تبديل لخلق الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت