و الله سبحانه هو المفيض لهذه الصفات من فضله والذي له من معنى هذه الصفات مطلق غير محدود وصرف غير مخلوط فلا جهل في مقابل علمه ولا ممات يقابل حياته وهكذا فله سبحانه من كل صفة يتصف به الموجودات السماوية والأرضية - وهي صفات غير ممحضة ولا مطلقة - ما هو أعلاها أي مطلقها ومحضها.
فكل صفة توجد فيه تعالى وفي غيره من المخلوقات ، فالذي فيه أعلاها وأفضلها والذي في غيره مفضول بالنسبة إلى ما عنده.
ولما كانت الإعادة متصفة بالهون إذا قيس إلى الإنشاء فيما عند الخلق فهو عنده تعالى أهون أي هون محض غير مخلوط بصعوبة ومشقة بخلاف ما عندنا معاشر الخلق ولا يلزم منه أن يكون في الإنشاء صعوبة ومشقة عليه تعالى لأن المشقة والصعوبة في الفعل تتبع قدرة الفاعل بالتعاكس فكلما قلت القدرة كثرت المشقة وكلما كثرت قلت حتى إذا كانت القدرة غير متناهية انعدمت المشقة من رأس ، وقدرته تعالى غير متناهية فلا يشق عليه فعل أصلا وهو المستفاد من قوله:"إن الله على كل شيء قدير"فإن القدرة إذا جاز تعلقها بكل شيء لم تكن إلا غير متناهية فافهم ذلك.
وقوله:"و له المثل الأعلى في السماوات والأرض"تقدم أنه في مقام الحجة بالنسبة إلى قوله:"و هو أهون عليه"ومحصله أن كل صفة كمالية يتصف به شيء مما في السماوات والأرض من جمال أو جلال فإن لله سبحانه أعلاها أي مطلقها من غير تقييد ومحضها من غير شوب وصرفها من غير خلط.
وقوله:"و هو العزيز الحكيم"في مقام التعليل بالنسبة إلى قوله:"و له المثل الأعلى"إلخ ، أي إنه تعالى عزيز واجد لكل ما يفقده غيره ممتنع من أن يمتنع عليه شيء حكيم لا يعرض فعله فتور ، ولو لم تكن صفة من صفاته مثلا أعلى مما عند غيره من الممكنات كانت محدودة غير مطلقة ومخلوطة غير صرفة غير خالية من النقص والقصور فاستذله ذاك القصور فلم يكن عزيزا على الإطلاق وأحدث ذاك النقص في فعله ثلمة وفتورا فلم يكن حكيما على الإطلاق.
قوله تعالى:"ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم"إلخ ،"من"في قوله:"من أنفسكم"لابتداء الغاية أي ضرب لكم مثلا متخذا من أنفسكم منتزعا من الحالات التي لديكم ، وقوله:"هل لكم"شروع في المثل المضروب والاستفهام للإنكار ، و"ما"في"مما ملكت"للنوع أي من نوع ما ملكت أيمانكم من العبيد والإماء ، و"من"في"من شركاء"زائدة وهو مبتدأ ، وقوله:"فأنتم فيه سواء"تفريع على الشركة ، و"أنتم"خطاب شامل للمالكين والمملوكين على طريق التغليب ، وقوله:"تخافونهم كخيفتكم أنفسكم"أي تخافون المماليك الشركاء أن تستبدوا في تصرف المال المشترك من غير إذن منهم ورضى كما تخافون أنفسكم من الشركاء الأحرار.
وهذا مثل ضربه الله لبيان بطلان ما يزعمون أن الله سبحانه مما خلق شركاء في الألوهية والربوبية وقد ألقى المثل في صورة الاستفهام الإنكاري: هل يوجد بين مماليككم من العبيد والإماء من يكونون شركاء لكم في الأموال التي رزقناكم - والحال أنهم مماليك لكم تملكونهم وما في أيديهم - بحيث تخافونهم من التصرف في أموالكم بغير إذن منهم ورضى كما تخافون الشركاء الأحرار من نوع أنفسكم؟!.
لا يكون ذلك أبدا ولا يجوز أن يكون المملوك شريكا لمولاه في ماله وإذا لم يجز فكيف يجوز أن يكون بعض من خلقه الله كالملائكة والجن وهم عبيده المملوكون شركاء له فيما يملك من مخلوقيه وآلهة وأربابا من دونه؟.
ثم تمم الكلام بقوله:"كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون"وفيه تمهيد لما يتلوه من الكلام.
قوله تعالى:"بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين"إضراب عما يستفاد من ذيل الآية السابقة والتقدير وهؤلاء المشركون لم يبنوا شركهم على التعقل بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم.
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: بل اتبع الذين أشركوا وإنما بدله من قوله:"بل اتبع الذين ظلموا"فوصفهم بالظلم ليتعلل به ما سيصفهم بالضلال في قوله:"فمن يهدي من أضل الله"فالظلم يستتبع الإضلال الإلهي ، قال تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء": إبراهيم: 27.