و معنى كون الفطرة هي الشهادات الثلاث أن الإنسان مفطور على الاعتراف بالله لا شريك له بما يجد من الحاجة إلى الأسباب المحتاجة إلى ما وراءها وهو التوحيد وبما يجد من النقص المحوج إلى دين يدين به ليكمله وهو النبوة ، وبما يجد من الحاجة إلى الدخول في ولاية الله بتنظيم العمل بالدين وهو الولاية والفاتح لها في الإسلام هو علي (عليه السلام) ، وليس معناه أن كل إنسان حتى الإنسان الأولي يدين بفطرته بخصوص الشهادات الثلاث.
وإلى هذا يئول معنى الرواية السابقة أنها الولاية فإنها تستلزم التوحيد والنبوة وكذا ما مر من تفسيره الفطرة بالتوحيد فإن التوحيد هو القول بوحدانية الله تعالى المستجمع لصفات الكمال المستلزمة للمعاد والنبوة والولاية فالمال في تفسيرها بالشهادات الثلاث والتوحيد والولاية واحد.
وفي المحاسن ، بإسناده عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل"فطرة الله التي فطر الناس عليها"قال: فطرهم على معرفة أنه ربهم ولو لا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ومن رازقهم؟.
وفي الكافي ، بإسناده عن الحسين بن نعيم الصحاف عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: فقال (عليه السلام) : إن الله عز وجل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة ولا كفرا بجحود ثم بعث الله عز وجل الرسل يدعو العباد إلى الإيمان به فمنهم من هدى الله ومنهم من لم يهده.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر واردة في تفسير قوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة": البقرة: 213 والمراد فيها بالإنسان الفطري الإنسان الساذج الذي يعيش على الفطرة الإنسانية الذي لم يفسده الأوهام الفكرية والأهواء النفسانية فإنه بالقوة القريبة من الفعل بالنسبة إلى أصول العقائد الحقة وكليات الشرائع الإلهية فإنه يعيش ببعث وتحريك من فطرته وخصوص خلقته.
وأما الاهتداء إلى خصوص العقائد الحقة وتفاصيل الشرائع الإلهية فيتوقف على هداية خاصة إلهية من طريق النبوة من الجزء الثاني من الكتاب.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن حماد بن عمرو الصفار قال: سألت قتادة عن قوله تعالى:"فطرة الله التي فطر الناس عليها"فقال: حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"فطرة الله التي فطر الناس عليها"قال: دين الله.
وفيه ، أخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم"فطرة الله التي فطر الناس عليها"الآية.
أقول: ورواه أيضا عن مالك وأبي داود وابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظه: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء.
ورواه أيضا في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل مولود يولد على الفطرة يعني على المعرفة بأن الله خالقه.
الحديث.
وفي التوحيد ، بإسناده عن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تضربوا أطفالكم على بكائهم فإن بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلا الله ، وأربعة أشهر الصلاة على النبي وأربعة أشهر الدعاء لوالديه.
أقول: هو حديث لطيف ومعناه: أن الطفل في الأربعة أشهر الأولى لا يعرف أحدا وإنما يحس بالحاجة فيطلب بالبكاء رفعها والرافع لها هو الله سبحانه فهو يتضرع إليه ويشهد له بالوحدانية.
وفي الأربعة أشهر الثانية يعرف من والديه واسطة ما بينه وبين رافع حاجته من غير أن يعرفهما بشخصيهما والواسطة بينه وبين ربه هو النبي فبكاؤه طلب الرحمة من ربه للنبي حتى يصل بتوسطه إليه.
وفي الأربعة أشهر الثالثة يميز والديه بشخصيهما عن غيرهما فبكاؤه دعاء منه لهما وطلب جريان الرحمة من طريقهما إليه.
ففي الحديث ألطف الإشارة إلى كيفية جريان الفيض من مجرى الوسائط فافهم ذلك.