الآخرة واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك نصيبا في طلب العلم فإنك لن تجد له تضييعا أشد من تركه ولا تمارين فيه لجوجا ولا تجادلن فقيها ولا تعادين سلطانا ، ولا تماشين ظلوما ولا تصادقنه ولا تؤاخين فاسقا ولا تصاحبن متهما واخزن علمك كما تخزن ورقك. يا بني: خف الله عز وجل خوفا لو أتيت القيامة ببر الثقلين خفت أن يعذبك وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر الله لك. فقال له ابنه: يا أبت كيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد؟ فقال له لقمان: يا بني: لو استخرج قلب المؤمن يوجد فيه نوران نور للخوف ونور للرجاء لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله عز وجل ومن يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله ، ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض. فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا ومن يعمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا ومن أطاع الله خافه ، ومن خافه فقد أحبه ، ومن أحبه فقد اتبع أمره ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته ، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه نعوذ بالله من سخط الله. يا بني: لا تركن إلى الدنيا ولا تشغل قلبك بها فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها أ لا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثواب المطيعين ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.
وفي قرب الإسناد: ، هارون عن ابن صدقة عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) : قيل للقمان: ما الذي أجمعت عليه من حكمتك؟ قال: لا أتكلف ما قد كفيته ولا أضيع ما وليته.
-وفي البحار ، عن قصص الأنبياء بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال: يا بني: إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك فإنك إذا فكرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك وإنما النوم بمنزلة الموت وإنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت ، وقال: قال لقمان لابنه: يا بني لا تقترب فيكون أبعد لك ولا تبعد فتهان ، كل دابة تحب مثلها وابن آدم لا يحب مثله. لا تنشر بزك إلا عند باغيه ، وكما ليس بين الكبش والذئب خلة ، كذلك ليس بين البار والفاجر خلة ، من يقترب من الزفت تعلق به بعضه كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرفه ، من يحب المراء يشتم ، ومن يدخل مدخل السوء يتهم ، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم ، ومن لا يملك لسانه يندم. وقال يا بني صاحب مائة ولا تعاد واحدا ، يا بني إنما هو خلاقك وخلقك فخلاقك دينك وخلقك بينك وبين الناس فلا تبغضن إليهم وتعلم محاسن الأخلاق. يا بني كن عبدا للأخيار ولا تكن ولدا للأشرار. يا بني أد الأمانة تسلم دنياك وآخرتك وكن أمينا فإن الله لا يحب الخائنين. يا بني لا تر الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر.
وفي الكافي ، بإسناده عن يحيى بن عقبة الأزدي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان فيما وعظ به لقمان لابنه يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له ، وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا فأوف عملك واستوف أجرك ، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها ، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها فتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها. واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع: شبابك فيما أبليته ، وعمرك فيما أفنيته ، ومالك مما اكتسبته وفيما أنفقته ، فتأهب لذلك وأعد له جوابا ولا تأس على ما فاتك من الدنيا فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه فخذ حذرك ، وجد في أمرك ، واكشف الغطاء عن وجهك ، وتعرض لمعروف ربك ، وجدد التوبة في قلبك ، وأكمش في فراقك قبل أن يقصد قصدك ، ويقضى قضاؤك ، ويحال بينك وبين ما تريد.