فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 4314

و مع ذلك يمكن الاستدلال على كون العصمة مستندة إلى قوة رادعة بما مر في البحث عن الإعجاز من دلالة قوله تعالى:"إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا:"الطلاق - 3 ، وكذا قوله تعالى:"إن ربي على صراط مستقيم:"هود - 56 ، على أن كلا من الحوادث يحتاج إلى مبدإ يصدر عنه وسبب يتحقق به ، فهذه الأفعال الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على وتيرة واحدة صوابا وطاعة تنتهي إلى سبب مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي نفسه وهي القوة الرادعة وتوضيحه: أن أفعال النبي المفروض صدورها طاعة أفعال اختيارية من نوع الأفعال الاختيارية الصادرة عنا التي بعضها طاعة وبعضها معصية ، ولا شك أن الفعل الاختياري إنما هو اختياري بصدوره عن العلم والمشية ، وإنما يختلف الفعل طاعة ومعصية باختلاف الصورة العلمية التي يصدر عنها ، فإن كان المقصود هو الجري على العبودية بامتثال الأمر مثلا تحققت الطاعة ، وإن كان المطلوب - أعني الصورة العلمية التي يضاف إليها المشية - اتباع الهوى واقتراف ما نهى الله عنه تحققت المعصية ، فاختلاف أفعالنا طاعة ومعصية لاختلاف علمنا الذي يصدر عنه الفعل ، ولو دام أحد العلمين أعني الحكم بوجوب الجري على العبودية وامتثال الأمر الإلهي لما صدر إلا الطاعة ، ولو دام العلم الآخر الصادر عنه المعصية والعياذ بالله لم يتحقق إلا المعصية ، وعلى هذا فصدور الأفعال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بوصف الطاعة دائما ليس إلا لأن العلم الذي يصدر عنه فعله بالمشية صورة علمية صالحة غير متغيرة ، وهو الإذعان بوجوب العبودية دائما ، ومن المعلوم أن الصورة العلمية والهيئة النفسانية الراسخة غير الزائلة هي الملكة النفسانية كملكة العفة والشجاعة والعدالة ونحوها ، ففي النبي ملكة نفسانية يصدر عنها أفعاله على الطاعة والانقياد وهي القوة الرادعة عن المعصية.

ومن جهة أخرى النبي لا يخطىء في تلقي الوحي ولا في تبليغ الرسالة ففيه هيئة نفسانية لا تخطىء في تلقي المعارف وتبليغها ولا تعصي في العمل ولو فرضنا أن هذه الأفعال وهي على وتيرة واحدة ليس فيها إلا الصواب والطاعة تحققت منه من غير توسط سبب من الأسباب يكون معه ، ولا انضمام من شيء إلى نفس النبي كان معنى ذلك أن تصدر أفعاله الاختيارية على تلك الصفة بإرادة من الله سبحانه من غير دخالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه ، ولازم ذلك إبطال علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإرادته في تأثيرها في أفعاله وفي ذلك خروج الأفعال الاختيارية عن كونها اختيارية ، وهو ينافي افتراض كونه فردا من أفراد الإنسان الفاعل بالعلم والإرادة ، فالعصمة من الله سبحانه إنما هي بإيجاد سبب في الإنسان النبي يصدر عنه أفعاله الاختيارية صوابا وطاعة وهو نوع من العلم الراسخ وهو الملكة كما مر.

كلام في النبوة

والله سبحانه بعد ما ذكر هذه الحقيقة وهي وصف إرشاد الناس بالوحي في كلامه كثيرا عبر عن رجالها بتعبيرين مختلفين فيه تقسيمهم إلى قسمين أو كالتقسيم: وهما الرسول والنبي ، قال تعالى:"و جيء بالنبيين والشهداء:"الزمر - 69 ، وقال تعالى:"يوم يجمع الله الرسل ما ذا أجبتم:"المائدة - 109 ، ومعنى الرسول حامل الرسالة ، ومعنى النبي حامل النبإ ، فللرسول شرف الوساطة بين الله سبحانه وبين خلقه وللنبي شرف العلم بالله وبما عنده.

وقد قيل إن الفرق بين النبي والرسول بالعموم والخصوص المطلق فالرسول هو الذي يبعث فيؤمر بالتبليغ ويحمل الرسالة ، والنبي هو الذي يبعث سواء أمر بالتبليغ أم لم يؤمر.

لكن هذا الفرق لا يؤيده كلامه تعالى كقوله تعالى:"و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا:"مريم - 51 ، والآية في مقام المدح والتعظيم ولا يناسب هذا المقام التدرج من الخاص إلى العام كما لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت