فهرس الكتاب

الصفحة 3376 من 4314

و على هذا التقدير هل هو فرد من نوع الإنسان تولد من نوع آخر كالقردة مثلا على طريق تطور الأنواع وظهور الأكمل من الكامل والكامل من الناقص وهكذا أو هو فرد من الإنسان كامل بالكمال الفكري تولد من زوج من الإنسان غير المجهز بجهاز التعقل فكان مبدأ لظهور النوع الإنساني المجهز بالتعقل القابل للتكليف وانفصاله من النوع غير المجهز بذلك فالبشر الموجودون اليوم نوع كامل من الإنسان ينتهي أفراده إلى الإنسان الأول الكامل الذي يسمى بآدم ، وينشعب هذا النوع الكامل بالتولد تطورا من نوع آخر من الإنسان ناقص فاقد للتعقل وهو يسير القهقرى في أنواع حيوانية مترتبة حتى ينتهي إلى أبسط الحيوان تجهيزا وأنقصها كمالا وإن أخذنا من هناك سائرين لم نزل ننتقل من ناقص إلى كامل ومن كامل إلى أكمل حتى ننتهي إلى الإنسان غير المجهز بالتعقل ثم إلى الإنسان الكامل كل ذلك في سلسلة نسبية متصلة مؤلفة من آباء وأعقاب.

أو أن سلسلة التوالد والتناسل تنقطع بالاتصال بآدم وزوجه وهما متكونان من الأرض من غير تولد من أب وأم فليس شيء من هذه الصور ضروريا.

وكيف كان فظاهر الآيات القرآنية هو الصورة الأخيرة وهي انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجه المتكونين من الأرض من غير أب وأم.

غير أن الآيات لم تبين كيفية خلق آدم من الأرض وأنه هل عملت في خلقه علل وعوامل خارقة للعادة؟ وهل تمت خلقته بتكوين إلهي آني من غير مهل فتبدل الجسد المصنوع من طين بدنا عاديا ذا روح إنساني أو أنه عاد إنسانا تاما كاملا في أزمنة معتد بها يتبدل عليه فيها استعداد بعد استعداد وصورة وشكل بعد صورة وشكل حتى تم الاستعداد فنفخ فيه الروح وبالجملة اجتمعت عليه من العلل والشرائط نظير ما تجتمع على النطفة في الرحم.

ومن أوضح الدليل عليه قوله تعالى:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59 ، فإن الآية نزلت جوابا عن احتجاج النصارى على بنوة عيسى بأنه ولد من غير أب بشري ولا ولد إلا بوالد فأبوه هو الله سبحانه ، فرد في الآية بما محصله أن صفته كصفة آدم حيث خلقه الله من أديم الأرض بغير والد يولده فلم لا يقولون بأن آدم ابن الله؟.

ولو كان المراد بخلقه من تراب انتهاء خلقته كسائر المتكونين من النطف إلى الأرض كان المعنى: أن صفة عيسى ولا أب له كمثل آدم حيث تنتهي خلقته كسائر الناس إلى الأرض ، ومن المعلوم أن لا خصوصية لآدم على هذا المعنى حتى يؤخذ ويقاس إليه عيسى فيفسد معنى الآية في نفسه ومن حيث الاحتجاج به على النصارى.

وبهذا يظهر دلالة جميع الآيات الدالة على خلق آدم من تراب أو طين أو نحو ذلك ، على المطلوب كقوله:"إني خالق بشرا من طين": ص: 71 ، وقوله:"و بدأ خلق الإنسان من طين": الم السجدة: 7.

وأما قول من قال: إن المراد بآدم هو آدم النوعي دون الشخصي بمعنى الطبيعة الإنسانية الخارجية الفاشية في الأفراد ، والمراد ببنوة الأفراد له تكثر الأشخاص منه بانضمام القيود إليه وقصة دخوله الجنة وإخراجه منها لمعصيته بإغواء من الشيطان تمثيل تخييلي لمكانته في نفسه ووقوفه موقف القرب ثم كونه في معرض الهبوط باتباع الهوى وطاعة إبليس.

ففيه أنه مدفوع بالآية السابقة وظواهر كثير من الآيات كقوله:"هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء": النساء: 1 ، فلو كان المراد بالنفس الواحدة آدم النوعي لم يبق لفرض الزوج لها محل ونظير الآية الآيات التي تفيد أن الله أدخله وزوجه الجنة وأنه وزوجه عصيا الله بالأكل من الشجرة.

على أن أصل القول بآدم النوعي مبني على قدم الأرض والأنواع المتأصلة ومنها الإنسان وأن أفراده غير متناهية من الجانبين والأصول العلمية تبطل ذلك بتاتا.

وأما القول بكون النسل منتهيا إلى أفراد معدودين كأربعة أزواج مختلفين ببياض اللون وسواده وحمرته وصفرته أو أزواج من الإنسان ناشئين بعضهم بالدنيا القديمة وبعضهم بالدنيا الحديثة والأراضي المكشوفة أخيرا وفيها بشر قاطنون كأمريكا وأستراليا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت