قوله تعالى:"ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه"كناية عن امتناع الجمع بين المتنافيين في الاعتقاد فإن القلب الواحد أي النفس الواحدة لا يسع اعتقادين متنافيين ورأيين متناقضين فإن كان هناك متنافيان فهما لقلبين وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه فالرجل الواحد لا يسعه أن يعتقد المتنافيين ويصدق بالمتناقضين وقوله:"في جوفه"يفيد زيادة التقرير كقوله:"و لكن تعمى القلوب التي في الصدور": الحج: 46.
قيل: الجملة توطئة وتمهيد كالتعليل لما يتلوها من إلغاء أمر الظهار والتبني فإن في الظهار جعل الزوجة بمنزلة الأم وفي التبني والدعاء جعل ولد الغير ولدا لنفسه والجمع بين الزوجية والأمومة وكذا الجمع بين بنوة الغير وبنوة نفسه جمع بين المتنافيين ولا يجتمعان إلا في قلبين وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
ولا يبعد أن تكون الجملة في مقام التعليل لقوله السابق:"لا تطع الكافرين والمنافقين""و اتبع ما يوحى إليك من ربك"فإن طاعة الله وولايته وطاعة الكفار والمنافقين وولايتهم متنافيتان متباينتان كالتوحيد والشرك لا يجتمعان في القلب الواحد وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
قوله تعالى:"و ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم"كان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت مني كظهر أمي أو ظهرك علي كظهر أمي فيشبه ظهرها بظهر أمه وكان يسمى ذلك ظهارا ويعد طلاقا لها ، وقد ألغاه الإسلام.
فمفاد الآية أن الله لم يجعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن بقول ظهرك علي كظهر أمي أمهات لكم وإذ لم يجعل ذلك فلا أثر لهذا القول والجعل تشريعي.
قوله تعالى:"و ما جعل أدعياءكم أبناءكم"الأدعياء جمع دعي وهو المتخذ ولدا المدعو ابنا وقد كان الدعاء والتبني دائرا بينهم في الجاهلية وكذا بين الأمم الراقية يومئذ كالروم وفارس وكانوا يرتبون على الدعي أحكام الولد الصلبي من التوارث وحرمة الازدواج وغيرهما وقد ألغاه الإسلام.
فمفاد الآية أن الله لم يجعل الذين تدعونهم لأنفسكم أبناء لكم بحيث يجري فيهم ما يجري في الأبناء الصلبيين.
قوله تعالى:"ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"الإشارة بقوله:"ذلكم"إلى ما تقدم من الظهار والدعاء أو إلى الدعاء فقط وهو الأظهر ويؤيده اختصاص الآية التالية بحكم الدعاء فحسب.
وقوله:"قولكم بأفواهكم"أي إن نسبة الدعي إلى أنفسكم ليس إلا قولا تقولونه بأفواهكم ليس له أثر وراء ذلك فهو كناية عن انتفاء الأثر كما في قوله:"كلا إنها كلمة هو قائلها": المؤمنون: 100.
وقوله:"و الله يقول الحق وهو يهدي السبيل"معنى كون قوله: هو الحق أنه إن أخبر عن شيء كان الواقع مطابقا لما أخبر به وإن أنشأ حكما ترتب عليه آثاره وطابقته المصلحة الواقعية.
ومعنى هدايته السبيل أنه يحمل من هداه على سبيل الحق التي فيها الخير والسعادة وفي الجملتين تلويح إلى أن دعوا أقوالكم وخذوا بقوله.
قوله تعالى:"ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله"إلى آخر الآية.
اللام في"لآبائهم"للاختصاص أي ادعوهم وهم مخصوصون بآبائهم أي انسبوهم إلى آبائهم وقوله:"هو أقسط عند الله"، الضمير إلى المصدر المفهوم من قوله:"ادعوهم"نظير قوله:"اعدلوا هو أقرب للتقوى"و"أقسط"صيغة تفضيل من القسط بمعنى العدل.
والمعنى: انسبوهم إلى آبائهم - إذا دعوتموهم - لأن الدعاء لآبائهم أعدل عند الله.
وقوله:"فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم"، المراد بعدم علمهم آباءهم عدم معرفتهم بأعيانهم ، والموالي هم الأولياء ، والمعنى: وإن لم تعرفوا آباءهم فلا تنسبوهم إلى غير آبائهم بل ادعوهم بالإخوة والولاية الدينية.
وقوله:"ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم"أي لا ذنب لكم في الذي أخطأتم به لسهو أو نسيان فدعوتموهم لغير آبائهم ولكن الذي تعمدته قلوبكم ذنب أو ولكن تعمد قلوبكم بذلك فيه الذنب.
وقوله:"و كان الله غفورا رحيما"راجع إلى ما أخطىء به.