قوله تعالى:"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم"أنفس المؤمنين هم المؤمنون فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى منه فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شيء من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه.
ففيما إذا توجه شيء من المخاطر إلى نفس النبي فليقه المؤمن بنفسه ويفده نفسه وليكن النبي أحب إليه من نفسه وأكرم عنده من نفسه ولو دعته نفسه إلى شيء والنبي إلى خلافه أو أرادت نفسه منه شيئا وأراد النبي خلافه كان المتعين استجابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطاعته وتقديمه على نفسه.
وكذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهم فيما يتعلق بالأمور الدنيوية أو الدينية كل ذلك لمكان الإطلاق في قوله:"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم".
ومن هنا يظهر ضعف ما قيل: إن المراد أنه أولى بهم في الدعوة فإذا دعاهم إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى خلافه كان عليهم أن يطيعوه ويعصوا أنفسهم ، فتكون الآية في معنى قوله:"و أطيعوا الرسول": النساء: 59 ، وقوله:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64 ، وما أشبه ذلك من الآيات وهو مدفوع بالإطلاق.
وكذا ما قيل إن المراد أن حكمه فيهم أنفذ من حكم بعضهم على بعض كما في قوله:"فسلموا على أنفسكم": النور: 61 ، ويئول إلى أن ولايته على المؤمنين فوق ولاية بعضهم على بعض المدلول عليه بقوله:"المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض": براءة: - 71.
وفيه أن السياق لا يساعد عليه.
وقوله:"و أزواجه أمهاتهم"جعل تشريعي أي أنهن منهم بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما سيأتي التصريح به في قوله:"و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا".
فالتنزيل إنما هو في بعض آثار الأمومة لا في جميع الآثار كالتوارث بينهن وبين المؤمنين والنظر في وجوههن كالأمهات وحرمة بناتهن على المؤمنين لصيرورتهن أخوات لهم وكصيرورة آبائهن وأمهاتهن أجدادا وجدات وإخوتهن وأخواتهن أخوالا وخالات للمؤمنين.
قوله تعالى:"و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين"إلخ ، الأرحام جمع رحم وهي العضو الذي يحمل النطفة حتى تصير جنينا فيتولد ، وإذ كانت القرابة النسبية لازمة الانتهاء إلى رحم واحدة عبر عن القرابة بالرحم فسمي ذوو القرابة أولي الأرحام.
والمراد بكون أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ، الأولوية في التوارث ، وقوله:"في كتاب الله"المراد به اللوح المحفوظ أو القرآن أو السورة ، وقوله:"من المؤمنين والمهاجرين"مفضل عليه والمراد بالمؤمنين غير المهاجرين منهم ، والمعنى: وذوو القرابة بعضهم أولى ببعض من المهاجرين وسائر المؤمنين الذين كانوا يرثون بالمؤاخاة الدينية ، وهذه الأولوية في كتاب الله وربما احتمل كون قوله:"من المؤمنين والمهاجرين"بيانا لقوله:"و أولوا الأرحام".
والآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين.
وقوله:"إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا"الاستثناء منقطع ، والمراد بفعل المعروف إلى الأولياء الوصية لهم بشيء من التركة ، وقد حد شرعا بثلث المال فما دونه ، وقوله:"كان ذلك في الكتاب مسطورا"أي حكم فعل المعروف بالوصية مسطور في اللوح المحفوظ أو القرآن أو السورة.
قوله تعالى:"و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا"إضافة الميثاق إلى ضمير النبيين دليل على أن المراد بالميثاق ميثاق خاص بهم كما أن ذكرهم بوصف النبوة مشعر بذلك فالميثاق المأخوذ من النبيين ميثاق خاص من حيث إنهم نبيون وهو غير الميثاق المأخوذ من عامة البشر الذي يشير إليه في قوله:"و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى": الأعراف: 127.