فهرس الكتاب

الصفحة 3387 من 4314

و قد ذكر أخذ الميثاق من النبيين في موضع آخر وهو قوله:"و إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أ أقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا": آل عمران: 81.

والآية المبحوث عنها وإن لم تبين ما هو الميثاق المأخوذ منهم وإن كانت فيها إشارة إلى أنه أمر متعلق بالنبوة لكن يمكن أن يستفاد من آية آل عمران أن الميثاق مأخوذ على وحدة الكلمة في الدين وعدم الاختلاف فيه كما في قوله:"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون": الأنبياء: 92 ، وقوله:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه": الشورى: 13.

وقد ذكر النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثم سمى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم فقال:"و منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم"ومعنى العطف إخراجهم من بينهم وتخصيصهم بالذكر كأنه قيل: وإذ أخذنا الميثاق منكم أيها الخمسة ومن باقي النبيين.

ولم يخصهم بالذكر على هذا النمط إلا لعظمة شأنهم ورفعة مكانهم فإنهم أولوا عزم وأصحاب شرائع وكتب وقد عدهم على ترتيب زمانهم: نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم (عليهما السلام) ، لكن قدم ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو آخرهم زمانا لفضله وشرفه وتقدمه على الجميع.

وقوله:"و أخذنا منهم ميثاقا غليظا"تأكيد وتغليظ للميثاق نظير قوله:"فلما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ": هود: 58.

قوله تعالى:"ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما"اللام في"ليسأل"للتعليل أو للغاية وهو متعلق بمحذوف يدل عليه قوله:"و إذ أخذنا"وقوله:"و أعد"معطوف على ذلك المحذوف ، والتقدير فعل ذلك أي أخذ الميثاق ليتمهد له سؤال الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما.

ولم يقل: وليعد للكافرين عذابا ، إشارة أن عذابهم ليس من العلل الغائية لأخذ الميثاق وإنما النقص من ناحيتهم والخلف من قبلهم.

وأما سؤال الصادقين عن صدقهم فقيل: المراد بالصادقين الأنبياء وسؤالهم عن صدقهم هو سؤالهم يوم القيامة عما جاءت به أممهم وكأنه مأخوذ من قوله تعالى:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم": المائدة: 190.

وقيل: المراد سؤال الصادقين في توحيد الله وعدله والشرائع عن صدقهم أي عما كانوا يقولون فيه ، وقيل: المراد سؤال الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم ، وقيل: المراد سؤال الصادقين عما قصدوا بصدقهم أ هو وجه الله أو غيره؟ إلى غير ذلك من الوجوه وهي كما ترى.

والتأمل فيما يفيده قوله:"ليسأل الصادقين عن صدقهم"يرشد إلى خلاف ما ذكروه ، ففرق بين قولنا: سألت الغني عن غناه وسألت العالم عن علمه ، وبين قولنا: سألت زيدا عن ماله أو عن علمه ، فالمتبادر من الأولين أني طالبته أن يظهر غناه وأن يظهر علمه ، ومن الأخيرين أني طالبته أن يخبرني هل له مال أو هل له علم؟ أو يصف لي ما له من المال أو من العلم.

وعلى هذا فمعنى سؤال الصادقين عن صدقهم مطالبتهم أن يظهروا ما في باطنهم من الصدق في مرتبة القول والفعل وهو عملهم الصالح في الدنيا فالمراد بسؤال الصادقين عن صدقهم توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم ليظهر منهم صدقهم المستبطن في نفوسهم وهذا في الدنيا لا في الآخرة فأخذ الميثاق في نشأة أخرى قبل الدنيا كما يدل عليه آيات الذر"و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى"الآيات.

وبالجملة الآيتان من الآيات المنبئة عن عالم الذر المأخوذ فيه الميثاق وتذكر أن أخذ الميثاق من الأنبياء (عليهم السلام) وترتب شأنهم وعملهم في الدنيا على ذلك في ضمن ترتب صدق كل صادق على الميثاق المأخوذ منه.

ولمكان هذا التعميم ذكر عاقبة أمر الكافرين مع أنهم ليسوا من قبيل النبيين والكلام في الميثاق المأخوذ منهم فكأنه قيل: أخذنا ميثاقا غليظا من النبيين أن تتفق كلمتهم على دين واحد يبلغونه ليسأل الصادقين ويطالبهم بالتكليف والهداية إظهار صدقهم في الاعتقاد والعمل ففعلوا فقدر لهم الثواب وأعد للكافرين عذابا أليما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت